
المحامية مايا صافي
منذ نشوء دولة لبنان الكبير، ظلّ تأثير فرنسا متجاوزاً اللغة والعمارة، ليبلغ عمق النظام القضائي والإداري. حيث ان القوانين اللبنانية مستنسخة ومنقولة عن التشريع الفرنسي، لبنان استعار كل شيء حتى المفردات والاسلوب ذلك باسم “الحداثة” و”الدولة”، لكنّه لم يستورد من فرنسا جوهر الفكرة المتمثلة بالمساءلة والمحاسبة.
حين قرّر القضاء الفرنسي محاكمة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في قضايا فساد وتمويل غير شرعي، لم يُطرح السؤال عمّن يقف وراءه أو إلى أي تيار ينتمي، بل عن مسؤوليته أمام القانون.
كانت المحاكمة بحدّ ذاتها درسا في الديمقراطية، في بلد لا أحد فيه فوق القانون.
أما في لبنان، فالقضاء ما زال يُسأل قبل أن يُسائل: لمن يتبع؟ ومع من يتحالف؟ وفي أي توازن طائفي يقع؟
وهكذا، يعطَّل العدل باسم «الاستقرار»، وتجمّد الملفات باسم «الوفاق الوطني»، ويختزل القضاء إلى سلطة شكلية، تتناوب عليها القوى السياسية لتصفية حساباتها، لا لتطبيق القانون.
فرنسا علّمتنا النصوص، لكنّها احتفظت بروح العدالة لنفسها.
لبنان نقل الشكل، لا المضمون.
نقتبس القوانين الفرنسية حرفا، وننسى أن وراءها ثقافة قانونية عريقة، وإيمانا عميقا بأن العدالة هي الركيزة الأولى والاساسية لقيام الدولة.
في فرنسا، ساركوزي يحاكم أمام القضاء.
أما في لبنان، فإنّ «ساركوزياتنا» محصّنين بالزعامات والطوائف.
ربما آن الأوان أن ننقل من فرنسا شيئا أهم من الديكور القانوني: الجرأة في قول الحقيقة، والمساواة أمام العدالة.
فالقضاء لا يقاس بعدد القوانين التي يستنسخها، بل بقدرته على مساءلة من يظنّ نفسه فوقها.
