
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
ما جرى في جلسة انتخاب أمانة السر واللجان النيابية أبقى القديم على قدمه والتغيير أُجهض قبل أن يبدأ. والكتل الكبرى لم تجرؤ على المنافسة والاصطفافات الطائفية ظلت تمسك بالمفاصل،ومحاولته خلق “توازن سياسي داخل المكتب” لم تعد سوى إشارة إلى أن التوازن في لبنان لا يبنى عبر المبادرة بل عبر التسويات المسبقة وأن الحيز المتاح للمستقلين يضيق أكثر فأكثر.
ليس تفصيلا إجرائيا بل انعكاس لأزمة أعمق :
▪︎ حصرية التمثيل الطائفي في رئاسة اللجان
▪︎ وتوزيع المواقع وفق الانتماء لا الكفاءة
الإصلاحات مجرد شعارات والوجوه نفسها تتبدل شكلا لا مضمونا فيما الأحزاب تثبت نفوذها
بينما المنافسة الفعلية لم تعد داخل المجلس بل في صناديق اقتراع حيث تختبر قدرة القوى على تحويل الصوت الحر إلى جزء من ماكينة الأحزاب التقليدية.
سجال بري – جعجع : المغتربون على خط النار
خلاف بري–جعجع لم يعد مجرد تبادل كلمات بين قيادتين بل أصبح ساحة صراع مفتوحة على تصويت المغتربين في أشهر قليلة، تفصل لبنان عن الانتخابات أصوات الخارج تحولت إلى هدف مباشر للضغط السياسي والطائفي، كل كلمة يطلقها الزعيمان ليست مجرد خطاب بل محاولة لإعادة رسم حصص الطوائف وتوازن القوى داخل المجلس.
المغتربون الذين كانوا رمز للحرية السياسية أصبحوا اليوم في قلب لعبة طائفية دقيقة، والأحزاب التي فشلت في الداخل تبحث عن آليات لضبط الخارج.
الهدف ليس المشاركة بل تحويل الصوت الحر إلى أداة لتكرار السيطرة نفسها وحماية الحصص الطائفية.
تجربة الانتخابات السابقة أثبتت أن أصوات الخارج قادرة على قلب المعادلات المحلية، لذلك يرفض الثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل أي توسيع لمشاركة المغتربين، خشية أن تهدد نتائجها حجم كتلهم وحصصهم الطائفية.
هكذا يتحول استحقاق المغتربين من حق ديمقراطي إلى ساحة ضغط حزبي وطائفي ، حيث اللعب على الخوف والتحالفات والحصص يسبق أي نقاش حول الديمقراطية أو حرية التصويت.
البرلمان بين العجز والفساد :
من المفترض أن يكون مجلس النواب سلطة رقابية على أداء الحكومة، لكنه تحول فعليا إلى درع حماية للفساد كل فضيحة مالية أو إدارية تمر مرور الكرام، لأن التحقيق فيها يحتاج إلى رفع غطاء سياسي وهذا الغطاء لا يرفع عن أحد
أمثلة الفشل النيابي كثيرة :
▪︎ أموال المودعين رغم المشاريع والقوانين المقترحة لم يقر قانون الكابيتال كونترول ولم تسترد أموال المودعين ولم تحاسب المصارف أو كبار المسؤولين
▪︎ التوظيف السياسي والإداري : آلاف المناصب تمنح وفق الولاء الحزبي والطائفي والمجلس لم يسن أي قانون ينظم التوظيف أو يحمي حقوق الموظفين المستحقين
السبب واضح كل حزب داخل المجلس مستفيد من منظومة الفساد وكل محاسبة ممكنة تعني المساس بحصته وبالتالي لا أحد يملك الدافع لإصلاح أي ملف
تعديل القوانين : هندسة البقاء
منذ التسعينيات أصبح تعديل القانون الانتخابي تقليدا ثابت قبل كل استحقاق القوانين، تفصل لتناسب مصالح القوى الكبرى لا مصالح الناخبين الدوائر ترسم وفق المعادلات الطائفية، والمقاعد توزع بما يضمن للأحزاب حصصها.
حتى عندما يعلن عن نسبية أو تمثيل أفضل يتحول القانون إلى أداة لتثبيت النفوذ لا لخلق تنافس ديمقراطي، وفي كل تعديل يتم استبعاد القوى المستقلة وتوجيه الأصوات نحو الأحزاب التقليدية.
وما يجري اليوم ليس مجرد فشل مؤسساتي بل انهيار كامل في مفهوم الدولة الحديثة برلمان لا يشرع حكومة لا تحكم قضاء لا يحاسب وأحزاب تكتب القوانين لتبقى في السلطة، حتى المشاركة الاغترابية تحاط بقيود لتبقى السلطة بأيدي التقليديين بينما الديمقراطية الحقيقية مهددة.
لكن التغيير يبقى ممكن إذا تحررت الإرادة الشعبية من منطق الطوائف والمصالح، وعاد الناخبون في الداخل والخارج ليطالبوا بقانون يحمي الحقوق ويضع الفساد أمام المحاسبة ويعيد الدولة لمواطنيها، حينها فقط يمكن للبنان الخروج من حلقة القوانين المفصلة والطائفية المقنعة إلى دولة يحكمها القانون والمواطنة لا المصالح الحزبية والطائفية.
