
خالد خشفة
محلّل وباحث سياسي
يشهد الوطن العربي تحوّلًا لافتًا في مقاربة قضاياه المركزية؛ من منطق “التحرير” إلى منطق “الإدارة”. فبعد القمم الدولية الأخيرة، وعلى رأسها قمة شرم الشيخ، لم تعد الملفات الوطنية تُطرح بوصفها قضايا حق وسيادة، بل باعتبارها أزمات مزمنة تُدار بأدوات سياسية واقتصادية وتقنية. هذا التحوّل لا يغيّر فقط طريقة النقاش، بل يعيد تعريف الأدوار والأولويات، بحيث يصبح الاستقرار المؤقت هو المكسب الممكن في منطقة أرهقتها الحروب وأجهضتها التسويات الناقصة.
من الحق إلى إدارة الأزمة
القضية الفلسطينية، التي كانت لعقود محور الصراع العربي–الإسرائيلي، عادت إلى طاولة المساومات التقنية بدل أن تكون جوهر مشروع تحرّري. فالنقاش اليوم يدور حول آليات الإغاثة، وإعادة الإعمار، وترتيبات ما بعد الحرب، أكثر مما يدور حول الحق في العودة أو تقرير المصير. وهنا يبرز خطر تحوّل الصراع إلى «ملف أمني–إداري» تُشرف عليه العواصم الكبرى، ويُدار ببرودة المفاوضين لا بحرارة الميدان.
لبنان ليس بعيدًا عن هذه المقاربة الجديدة. فبعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، بدا وكأن منطق الإدارة تغلّب على منطق المواجهة، في تسوية أوقفت التصعيد دون أن تُنهي النزاع. واليوم، ومع تصاعد التوتر الحدودي وعودة الحديث عن “ترتيبات أمنية” أو “مناطق عازلة”، يجد لبنان نفسه أمام اختبار جديد: كيف يحافظ على سيادته ويمنع تحويل قضاياه إلى ملف تفاوضي بلا نهاية؟
إدارة الأزمة أم حماية الوطن؟
ربما لا يمكن للبنان أن يفرض تغييرًا جذريًا في التوازنات الإقليمية، لكنه يستطيع أن يمنع تحوّله إلى ساحة مفتوحة. فجوهر المعركة اليوم ليس في من يملك السلاح الأقوى، بل في من يمتلك الرؤية الأوضح. فإذا تمكّن لبنان من الانتقال من “ردّ الفعل” إلى “سياسة الفعل”، سيحافظ على موقعه ومصالحه حتى في زمن إدارة الأزمات.
لبنان بحاجة إلى أن يتصرّف كدولة صاحبة مصلحة، لا كطرف متلقٍّ. فالمعادلة الجديدة في المنطقة لا تُكافئ الضعفاء ولا تنتظر المتردّدين. ومن يتأخّر في صياغة استراتيجيته يجد نفسه مجبرًا على تنفيذ استراتيجيات الآخرين.
بين الردع والمصلحة الوطنية
إسرائيل، التي تملك فائض القوة العسكرية والدعم الأميركي، تسعى إلى تثبيت أمر واقع ميداني يضمن أمن حدودها ويُبقي لبنان في دائرة الضغط. أما واشنطن، فتنظر إلى المشهد من زاوية “الاستقرار القابل للإدارة”، أي منع الحرب الشاملة دون معالجة جذورها. في المقابل، تحاول موسكو الدخول عبر بوابة الوساطات الإقليمية، مستفيدة من علاقاتها بطهران، لتثبيت موقعها في شرق المتوسط.
أما لبنان، فيقف على تقاطع كل هذه المسارات بقدرات محدودة ومؤسسات مثقلة بالأزمات، ولا يمتلك سوى ورقة الشرعية القانونية والدبلوماسية التي تتيح له الدفاع عن حقوقه السيادية ضمن القوانين الدولية.
لكنّ الضعف المؤسسي والضغوط الاقتصادية يجعلان لبنان أكثر عرضة للمقايضة. فالعروض التي تأتي تحت عنوان «الدعم الاقتصادي» أو «الاستثمار في إعادة الإعمار»، غالبًا ما تحمل في طياتها أثمانًا سياسية غير معلنة. ومع غياب رؤية وطنية موحّدة، يصبح أي تفاوض مع الخارج مدخلًا لتنازلات متراكمة.
ولعلّ أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان اليوم هو تسييل السيادة، أي تحويلها إلى ورقة قابلة للتبادل في سوق التفاهمات الدولية، حين تُدار الملفات الكبرى – من الغاز إلى الحدود إلى الأمن – بعقلية إدارة الأزمة لا بعقلية بناء الدولة. وهذا ما يُفقد البلد تدريجيًا قدرته على القرار المستقل، ويحوّله إلى طرف سلبي في معادلات الآخرين.
والتاريخ القريب يثبت أن الوساطات الدولية لا تكون دائمًا حيادية. فحين تغيب المرجعية السياسية الداخلية، يتحوّل “الوسيط” إلى طرف مؤثر في رسم موازين القوى. وتجربة الترسيم البحري تُظهر ذلك بوضوح: الوساطة الأميركية نجحت في تجميد النزاع، لكنها لم تُلغِ جذوره. واليوم، ومع الحديث عن وساطات جديدة تخصّ الحدود البرية أو الترتيبات الأمنية في الجنوب، يصبح المطلوب من لبنان أن يحدد بوضوح ما هو «قابل للتفاوض» وما هو «محسوم بالسيادة».
نحو استراتيجية لبنانية واقعية
حماية السيادة لا تكون بالشعارات، بل بالأدوات العملية:
على المستوى السياسي: يجب أن تصدر الدولة موقفًا واضحًا يحدّد خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها في أي تفاوض؛ عدم المسّ بالحدود المرسّمة، وعدم إنشاء أي “منطقة عازلة” أو “ترتيبات أمنية” تنتقص من سلطة الدولة.
على المستوى الدبلوماسي: ينبغي توسيع شبكة الشركاء الدوليين، بحيث لا يبقى لبنان أسير وسيط واحد. فالانفتاح على أوروبا، والعواصم العربية، وحتى الأمم المتحدة، يمنح هامش حركة أوسع ويقلّل من الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
على المستوى الاقتصادي: المطلوب تحصين الموقف الداخلي بخطة إنعاش تدريجية، تمنع استخدام الأزمة المالية كورقة ضغط. فكل ضعف مالي يتحوّل سريعًا إلى ضعف سياسي، ولا يمكن الحديث عن استقلال القرار طالما يُدار الاقتصاد بأدوات الخارج.
التحوّلات الإقليمية الراهنة تُعيد رسم خريطة الأولويات في الشرق الأوسط. وبينما يتقدّم منطق “الإدارة” على منطق “التحرير”، يبقى على لبنان أن يختار موقعه: إمّا أن يُدار من الخارج كملف قابل للتسوية، وإمّا أن يُدير بنفسه معاركه الدبلوماسية والسياسية بما يضمن حقوقه.
في زمن تُعاد فيه كتابة خرائط النفوذ بأدوات جديدة، يصبح الثبات على الثوابت الوطنية شكلًا من أشكال المقاومة الحديثة. فالحفاظ على السيادة اليوم لا يكون بالسلاح وحده، بل بالعقل، والوضوح، والقدرة على قول “لا” عندما يظنّ الآخرون أن كل شيء قابل للتفاوض.
