خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
مع وقف إطلاق النار في غزة، بدأ المشهد هادئًا، لكن واقع لبنان كان مختلفًا تمامًا.
غارة المصيلح شمال الليطاني كشفت الحقيقة الصادمة: أن الهدوء في غزة لا يشمل لبنان. واستهداف الآليات والجرافات في قلب منطقة حيوية لحركة “أمل” لم يكن حادثًا عابرًا، بل رسالة مباشرة مفادها أن العودة إلى ما قبل حرب الإسناد ممنوعة، وأن إعادة الإعمار ستكون تحت مراقبة صارمة.
هذه الغارة تعكس استراتيجيات إسرائيل الجديدة، القائمة على الضغط على محور الممانعة داخليًا عبر رسائل محددة تستهدف مواقع حساسة، وربط أي تقدم في إعادة الإعمار بالالتزام بمعادلة الأمن والسلاح، وتوجيه رسالة واضحة بأن الاستنزاف السياسي والدبلوماسي يمكن أن يكون مكلفًا جدًا.
مأزق حزب الله:
الحزب يواصل عرض قوته في الساحات، وآخرها “كشافة الإمام المهدي” في المدينة الرياضية، التي تحولت إلى عروض قوة رمزية تُظهر مدى تغلغل الحزب في المؤسسات العامة، وتحويل ملعبٍ يُفترض أن يرمز إلى وحدة اللبنانيين وطاقاتهم الشبابية إلى ساحة عرض كشفي بملامح عسكرية، نظّمه حزب الله تحت عنوان “التأهيل القيادي”.
فحين يُعاد تعريف “الانضباط” في عقول الناشئة من خلال مشهد أقرب إلى الطاعة العسكرية منه إلى روح المواطنة، نكون أمام نسف تدريجي لمفهوم الدولة الجامعة، وتكريس واقع الدولة الضعيفة أمام الحزب القوي.
لكنّه اليوم في مأزق: فالمواجهات التقليدية لم تعد كافية، والضغوط الداخلية وإعادة رسم التوازن على الحدود تجعل أي ردّ مكلفًا للغاية.
الجنوب يعاني ضغوطًا سياسية ومعيشية غير مسبوقة، وإعادة الإعمار لن تتحقق ما لم يُحصر السلاح غير الشرعي، والتحرر من الوصايات السياسية، وتصبح الدولة المرجعية الوحيدة للقرار.
أصبح الحزب أمام مواجهة جديدة، فهو يواجه واقعًا مختلفًا؛ فالعدو يستخدم التكنولوجيا الذكية والمعلومات الدقيقة، ما يجعل أي ردّ مكلفًا وخطرًا أكثر من الصمت. وما كان ينجح في الماضي من صواريخ ومواجهات مباشرة، أصبح اليوم غير كافٍ أمام حرب باردة مدروسة بدقة عالية، تعتمد على ضرب مواقع حساسة وإرسال رسائل سياسية.
هذا المأزق العسكري يفرض عدم الانجرار إلى تصعيد مفتوح لا يحقق أي مكاسب حقيقية للبنان.
والمفارقة الكبرى أنّ الحزب الذي يُظهر قوته في الساحات يحتاج اليوم إلى الدولة لحماية بيئته المستنزفة، فيما المواطن يعيش ضغوطًا غير مسبوقة. والاختبار الحقيقي للبنان ليس بعدد المهرجانات أو الشعارات، بل في قدرة الدولة على فرض سيادتها وقرارها، وتحويل اللحظة الحرجة إلى بداية لاستعادة وطن موحّد بعيدًا عن الولاءات الحزبية ومحدودية القرار.
مأزق حزب الله: قوة في العرض وضعف في الواقع
حزب الله يواصل استعراض قوته في الساحات، وآخرها “كشافة الإمام المهدي” في المدينة الرياضية، حيث تحوّل الملعب من رمز لوحدة الشباب اللبناني إلى منصة بملامح عسكرية تُعيد تعريف الانضباط على مقاس الطاعة العسكرية بدل روح المواطنة.
لكن الواقع تغيّر: المواجهات التقليدية لم تعد كافية. الجنوب يرزح تحت ضغوط غير مسبوقة، وأي ردّ مكلف أمام خصم يعتمد التكنولوجيا الذكية والمعلومات الدقيقة. وما كان ينجح في الماضي من صواريخ ومواجهات مباشرة أصبح اليوم غير كافٍ أمام حرب باردة دقيقة.
المفارقة أنّ الحزب الذي يُظهر قوته يحتاج اليوم إلى الدولة لحماية بيئته المستنزفة، بينما المواطن يتحمّل الأعباء. والاختبار الحقيقي للبنان ليس بعدد العروض أو الشعارات، بل في قدرة الدولة على فرض سيادتها وتحويل اللحظة الحرجة إلى فرصة لاستعادة وطن موحّد بعيدًا عن الولاءات الحزبية.
عون وسلام… بين خطاب السيادة واستعادة هيبة الدولة
قدّم الرئيس جوزاف عون في كلمته موقفًا حاسمًا ضد أي محاولة لتحويل لبنان إلى ساحة تعويض عن غزة، مؤكدًا أن سيادة الدولة هي الحد الفاصل بين لبنان والصراعات الإقليمية. ودعا إلى أن يُعامَل لبنان كشريك في الهدنة لا كضحية جديدة للحروب بالوكالة.
وفي موازاة ذلك، تحرّك رئيس الحكومة نواف سلام دبلوماسيًا عبر شكوى إلى مجلس الأمن، في خطوة تعكس إصرار الحكومة على حماية لبنان بالقانون لا بالسلاح، وبالشرعية لا بالمزايدات.
إنها لحظة تستعيد فيها الدولة اللبنانية هيبتها من خلال رئاستين تتحركان بخطاب السيادة لا خطاب السلاح، وبمنطق الدولة لا الفوضى.
لبنان معلّق بين الجمود الداخلي والرهانات الإقليمية
الجنوب تحت ضغط ما بعد حرب غزة، والاقتصاد يترنّح، والدولة تواجه اختبار وجودها.
الإنقاذ لن يأتي من الخارج، بل من إرادة وطنية حقيقية ترتكز على موقف لبناني موحّد، وتحوّل فعلي في الموقف الإيراني، وتسوية واضحة بين واشنطن وطهران.
الوقت ينفد، وكل دقيقة انتظار تعني خسارة جديدة في الاقتصاد والسيادة والكرامة الوطنية.
لبنان اليوم على مفترق طريق حاسم: إمّا دولة قوية تحمي شعبها، أو ساحة مستباحة يكتب التاريخ فيها أن لبنان ضاع.
