
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
كان ثمن “طوفان الأقصى” باهظًا على الفلسطينيين؛ خسر الفلسطينيون جزءًا كبيرًا من غزة، وتحوّلت المدينة إلى ركام يختصر وجع عقود من الصراع.
أما لبنان، فقد دفع ثمن التضامن جغرافيًا وأمنيًا، إذ تمددت الحرب إلى الجنوب لتصبح جبهة رديفة تتقاطع فيها رسائل الردع بين إسرائيل ومحور المقاومة.
لكن، ما بين الخسارة والوعي، تولّد مشهد جديد: وعي جماعي يرفض منطق الإخضاع ويقرأ ما بعد الحرب بعيون سياسية لا عسكرية.
فالحرب لم تنتهِ فعليًا، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة من إعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط، حيث تتحرك الولايات المتحدة وتركيا وإيران وإسرائيل في سباق لإعادة التموضع قبل أي انفجار إقليمي جديد.
وفي عمق هذا التحوّل برزت حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن حرب السنتين، رغم مأساتها، أعادت الاعتراف بالقضية الفلسطينية من جديد، بعدما حاول كثيرون دفنها تحت ركام الصفقات والتطبيع. وكان نتنياهو يريد القضاء على حماس ودفن القضية معها، لكنه يجد نفسه اليوم يفاوض حماس تحت ضغط الواقع والميدان.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
هل سيُستثمر هذا الاعتراف القسري بالفوز السياسي في إعادة القضية الفلسطينية إلى الطاولة الدولية بشكل فعّال؟
أم سيُترك ليذوب في حسابات ما بعد الحرب؟
شرم الشيخ… بوابة التحوّل الاستراتيجي
في هذا السياق، جاءت زيارة المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى شرم الشيخ كإشارة واضحة إلى أن واشنطن قررت استعادة زمام المبادرة الجيوسياسية؛ ليس فقط لإنهاء الحرب في غزة، بل لإعادة ترتيب الإقليم على أسس جديدة، وتجميد الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وتهيئة المسرح لمرحلة ما بعد غزة، حيث تبدأ معركة إعادة التوازن بين واشنطن وطهران وبين المحاور الإقليمية المتنافسة على النفوذ.
خطة ترامب: هندسة جديدة للإقليم
خطة ترامب التي أُعلن عنها في أواخر أيلول 2025 تمثل مشروع إعادة هيكلة جيوبوليتيكية، يهدف إلى تثبيت إسرائيل كقوة إقليمية أولى بعد استنزافها الطويل في غزة، وتخفيف الضغط الأمريكي عنها، تمهيدًا لتحوّل استراتيجي نحو إيران.
تبدأ الخطة بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، مرورًا بإدارة انتقالية بإشراف دولي، وصولًا إلى نزع سلاح الفصائل وإنشاء “قوة استقرار” متعددة الجنسيات لتأمين الحدود الجنوبية لإسرائيل.
لكن ما وراء البنود أهم من نصّها؛ فالخطة ليست “سلامًا”، ولم يُذكر فيها “حل الدولتين”، بل مشروع إعادة تموضع للقوة الأمريكية في الشرق الأوسط، مما يفتح الطريق أمام صراع جديد بوجه دبلوماسي.
تركيا: كوسيط إقليمي
واشنطن استفادت من نفوذ أنقرة لدى حركة حماس لإقناعها بقبول الخطة الأمريكية.
تركيا، التي تمتلك علاقات تاريخية وسياسية مع الفصائل الفلسطينية، كان دورها كجسر تفاوضي، لكنها تحاول في المقابل توظيف هذه الوساطة لتعزيز مكانتها الإقليمية واستعادة دورها التاريخي كقوة موازنة في الإقليم.
نجاح الوساطة يمنح أنقرة ورقة ضغط قوية على طاولة المفاوضات مع واشنطن وموسكو وطهران، كما سينعكس مباشرة على الملف السوري.
إنها الاستراتيجية التركية المزدوجة: الاستفادة من التعاون الأمريكي، دون التفريط بنفوذها في محيطها الجغرافي.
إيران: بين الاحتواء والضربة المؤجلة
في المقابل، ترى طهران أن تسوية شرم الشيخ ليست سوى خطوة في مشروع تطويق استراتيجي يستهدف تقليص نفوذها في المشرق العربي.
وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل تستعد ميدانيًا لمرحلة ما بعد غزة، عبر طلعات استطلاعية فوق سوريا والعراق، واستعدادات لعملية مركزة ضد المنشآت الإيرانية فور تثبيت وقف إطلاق النار.
المنطق الإسرائيلي يقوم على قاعدة واضحة:
▪︎ لن تبدأ حربًا جديدة قبل إنهاء القديمة.
▪︎ لكنها لن تنهي القديمة إلا حين تضمن الجاهزية للجديدة.
وهكذا، فإن اتفاق وقف النار في غزة سيكون بمثابة تحرير للجبهة الجنوبية تمهيدًا لتحوّل استراتيجي نحو إيران، بينما قد ترد طهران عبر تصعيدٍ غير مباشر في اليمن أو لبنان، ما يُبقي المنطقة على حافة مواجهة واسعة.
التوازنات المتحركة في الشرق الأوسط
تغيّرت معادلات القوة بسرعة في الإقليم:
▪︎ تركيا تحاول تثبيت موقعها كلاعبٍ محوري بين واشنطن وطهران.
▪︎ السعودية تعتمد سياسة “الانتظار الاستراتيجي” قبل الانخراط الكامل.
▪︎ مصر تعيد بناء نفوذها الدبلوماسي من بوابة شرم الشيخ.
▪︎ إسرائيل تسعى لاستعادة الردع وتثبيت تفوقها العسكري بعد استنزاف طويل.
▪︎ إيران تتهيأ لمواجهة محتملة، وقد تكون الأقوى.
هذه المعادلة تُظهر أن اتفاق شرم الشيخ لن يوقف دينامية الصراع، بل سينقلها من جبهة غزة إلى جغرافيا أوسع تمتد من المتوسط إلى الخليج.
غزة على خطى غرناطة
في ظل هذا المشهد، تلوح المقارنة التاريخية بين غزة وغرناطة.
فكما سقطت غرناطة بعد اتفاق “سلام” فرض الاستسلام على المسلمين، تحاول واشنطن اليوم فرض سلامٍ مشروطٍ على الفلسطينيين.
من غرناطة التي نُزعت منها الهوية، إلى غزة التي تُحاصر وتُفرَّغ من سكانها، يتكرر المشهد بأدوات جديدة وبلسان سياسي ناعم.
لكن غزة ليست غرناطة.
فبينما أُطفئت آخر قناديل الأندلس عام 1492، ما زال في غزة ضوء يقاوم؛ تُقصف ولا تنكسر، تُراد لها النهايات لكنها تصنع البدايات من جديد.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة، حيث تُعاد كتابة معادلات الردع والسيادة والمصالح بلغة الجغرافيا السياسية لا ببيانات التهدئة.
وما جرى اليوم في شرم الشيخ قد يكون المقدمة الصامتة لأكبر اختبار استراتيجي في العقد القادم.
