كيف يعيش نظام ولاية الفقيه على التنفّس الاصطناعي للمماشاة الغربيّة؟
مهدي رضا
خامنئي عالقٌ بين جبهتين في آنٍ واحد. في الخارج، يشعل الحروب بالوكالة ويغذّي الأزمات الإقليميّة. وفي الداخل، يواجه مجتمعًا غاضبًا يئنّ تحت وطأة الفقر والقمع والتمييز. أيّ جهةٍ يحاول السيطرة عليها تنفلت الأخرى من بين يديه. هذا هو المأزق الاستراتيجي الذي يعيشه نظام ولاية الفقيه اليوم.
حروب النظام بالوكالة ليست سوى استمرارٍ لحربه على الشعب الإيراني نفسه. فتكاليف اليمن ولبنان وسوريا وغزّة تُقتطع من خبز المواطن الإيراني ومن دوائه وتعليمه. كلّ صاروخ يطلقه الحرس الثوري يعني مستشفى أقل ومدرسة مهدّمة. هذه الحروب لا تُشنّ من أجل أمن المنطقة، بل من أجل حماية عرش القمع في طهران.
الغرب بدوره جرّب لسنوات سياسة المماشاة مع هذا النظام؛ عقوبات شكلية، اتفاقات مثقوبة، وتغاضي عن الابتزاز والرهائن. والنتيجة؟ ازداد النظام جرأةً، وتوحّشت آلة القمع في الداخل. المماشاة لم تُخفّف الحروب، بل جعلتها أداةً في يد خامنئي لابتزاز العالم وشراء الوقت.
في الداخل، تغيّر ميزان القوى الاجتماعي ضدّ النظام. الطبقات الفقيرة لم تعد درعًا بشريًا للقمع، والإضرابات العمالية والاحتجاجات تتّسع يومًا بعد يوم. النساء في طليعة الانتفاضات، وشعار المرأة، المقاومة، الحرية أصبح روحًا جديدة في المجتمع. القمع الوحشي فشل في اقتلاع جذور الغضب لأنّ أسباب الغضب – الفساد البنيوي، والتمييز، ونهب الثروات – لا تزال قائمة.
يعتمد خامنئي على ثلاثة أدوات لمواجهة هذا الغضب: القمع الدموي، الحرب بالوكالة، والانتخابات المزوّرة. لكنّ الأدوات الثلاث استُهلكت. فالقمع يزيد الانقسام داخل النظام، والحرب بالوكالة تُثقل كاهل الاقتصاد وتشعل الغضب الشعبي، والانتخابات المزوّرة لم تعد تمنح شرعيّة زائفة.
في مواجهة هذا المأزق يبرز الحلّ الثالث: لا للحرب، لا للمماشاة، نعم لتغيير النظام على يد الشعب والمقاومة المنظّمة. هذا هو الطريق الذي يقلب موازين اللعبة. فـالخلايا الثوريّة داخل إيران هي العمود الفقري للانتفاضة الشعبيّة، تربط الاحتجاجات المتفرّقة وتضرب مراكز القمع. وكلّما اتّسعت هذه الشبكة اضطرّ النظام إلى تصعيد أزماته الخارجيّة، فيزيد بذلك هشاشته الداخليّة.
البديل الديمقراطي موجود. المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يقدّم برنامجًا واضحًا لفجر ما بعد إسقاط النظام: فصل الدين عن الدولة، انتخابات حرّة، مساواة كاملة بين المرأة والرجل، حكم ذاتي ضمن وحدة الأراضي الإيرانية، واقتصاد شفاف خالٍ من النهب والفساد. هذا ليس شعارًا، بل خريطة طريق واقعية لنقل السلطة إلى الشعب. ولهذا السبب يخاف النظام من ظهوره أمام الرأي العام.
السياسة الصحيحة تجاه نظام ولاية الفقيه يجب أن تكون واضحة وبسيطة: لا للحروب التي تبتلع الشعوب، لا للمماشاة التي تُغذّي القمع، نعم للاعتراف بحقّ الشعب الإيراني في المقاومة المنظّمة. نعم لتصنيف الحرس الثوري وشبكاته ضمن القوائم الإرهابيّة، ولتطبيق العقوبات الذكية ضدّ القتلة والفاسدين. نعم لدعم المتظاهرين والمعتقلين سياسيًا وحقوقيًا، ونعم لإغلاق سفارات النظام التي تعمل كقواعد استخبارية.
إنّ خامنئي الجلّاد يخشى الانتفاضة في الداخل والعزلة في الخارج. تراجعه في جبهة يقابله انهيار في الأخرى. إنّها لعبة خاسرة في الحالتين. فالمجتمع الإيراني بلغ نقطة اللاعودة، وكلّ موجة احتجاج تُولّد أخرى أكثر وعيًا وتنظيمًا. شعار الموت للطاغية، سواء كان الشاه أو المرشد كسر حدود الرجعيّة وفتح الطريق نحو الجمهورية الديمقراطية وحكم الشعب.
ولسدّ طريق الهروب أمام النظام، لا بدّ من ثلاث خطوات حاسمة:
إبراز الرواية التاريخيّة الصحيحة وكشف حملات الشيطنة ضدّ مجاهدي خلق والمقاومة الإيرانية.
تعزيز شبكة الخلايا الثوريّة بدعمٍ إعلامي وسياسي وحقوقي.
التركيز على برنامج البديل الديمقراطي ليطمئنّ الشعب إلى مستقبلٍ آمن بعد إسقاط النظام.
النتيجة واضحة: نظام ولاية الفقيه لا يعيش إلا على تنفّس اصطناعي من الأزمات الخارجية والمماشاة الغربية. المأزق الحالي ليس عقدة مستعصية، بل بداية النهاية. الحلّ الوحيد هو الحلّ الثالث: التغيير على يد الشعب والمقاومة المنظّمة.
