هنادي الشيخ نجيب
اختياراتي مدمّرة حياتي
أمهلوني ثوانٍ لأشرح لكم قبل أن تنفضوا عن المقالة بسبب اختياري لمقدمة بهذا البؤس.
تلك الجملة ليست من إنشائي- ولا أتبنى مطلقاً معناها على المستوى الشخصي- بل هي جزء من مقطع غنائي تردد منذ فترة على صفحات الشباب والصبايا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت بطريقة تدلّ على ضعف شديد لدى أبنائنا فيما يتعلق بموضوع الاختيار والقرار، حتى رأينا هذا الجيل يتندّر ويضحك على اختياراته السيئة التي انعكست عليه دماراً نفسياً واجتماعياً، وربما أساء الاختيار عمداً ليصوّر نفسه متمايلاً على أنغام هذا المقطع المأساوي!
لكن السؤال في ظل هذا الواقع العجيب:
من أين يبدأ الاختيار؟
دعوني أفسر وأفصّل السؤال حتى تسهل الإجابة عنه.
المقصود من السؤال: هل أنت من تختار موقفك وردة فعلك، أم أن هناك عوامل وأسباب تظهر لك؛ فتسمع وترى أموراً سيقت لك سوقاً لا إرادياً لتهيئك لذلك الاختيار؟
تعالوا نناقش هذه القضية بعمق ورويّة.
لا شك أن كل واحد منكم قد مرّ بلحظاتٍ شعر فيها أن هاتفاً يهتف بقلبه، فيناديه نداءات خفيّة لا يسمعها إلا هو، حتى وإن كان الضجيج حوله يصم الآذان.
نداءات تُذكِّر، تُلهم، توقظ وربما تحذّر وتُنذر.
لحظات نكون فيها على مسافة خطوة واحدة من قرار مصيري، فنشعر فيها أنّ الله يدعونا لنستمع ونفهم ثم نقرر ونمشي.
تلك اللحظات ليست وليدة الصدفة، بل إشارة إلى اختيارٍ ربّانيّ دقيق، لتسأل نفسك: هل أنا المختار؟ وماذا يجب أن أفعل؟
كنت يومها أقرأ في كتاب الله، فوصلتُ إلى قوله تعالى في سورة طه، مخاطباً نبيه موسى عليه السلام:
(وأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري)
لم أستطع تجاوز هاتين الآيتين.
توقفتُ! أعدت التلاوة! مرة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة.
يا الله! أن تستمع لما يوحى ليس قرارك أنت، بل هو اختيار الله لك.
اختارك لتستمع للوحي الذي يذكرك بأعظم حقيقة على الإطلاق؛ حقيقة أن لا إله إلا الله، تلك التي يترتب عليها أن تكون عابداً مخلصاً لله وحده، ذاكراً إياه في صلاتك وسائر مفاصل حياتك.
لقد كان خطاباً إلهيّاً مهيباً وجَّهَه الله إلى موسى عليه السلام في لحظةٍ فاصلة من وجوده؛ حين انكشف له النور في الوادي المقدّس، وأُذِن له أن يسمع الوحي. لم يكن موسى يبحث عن النبوّة، ولم يسعَ إلى التكليف، بل اختاره الله، وناداه باسمه، ثم أتبعه بالأمر: فاعبدني.
دقق فيما يطرق سمعك كل يوم؛ هل تفهم مما يساق لك عبر التلفون أو من أحاديث الناس حولك أنك “مختار” دون غيرك لتسمع كلاماً يقربك من الله؟!
ذلك اختيار رباني.
إن الاختيار الإلهيّ ليس عشوائيًّا، بل هو اصطفاءٌ قائم على علم الله بما في القلوب؛ تلك الأوعية التي تحمل صورة الإنسان المعنوية من قيم وقناعات ومبادئ وأخلاق، قلوب هي بمثابة مشهديات مكشوفة للخالق جل وعلا، ذلك أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
يختارك ربك لأن: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، فهل تتخيل أنك محط رسائل الله تعالى، وأنه أذِن لك أن تسمعها وتتفاعل معها كما يحب، وتجد في نفسك رغبةً للتشبّع بالحق، فتعلم أنه قد أصابك من ذلك الاختيار نصيب؟
أيها الأعزاء، إنكم مدعوون للتركيز على كل ما يتناهى إلى سمعكم وسط هذا الزحام من الرسائل التي بلغت حدّاً من التناقض والوقاحة ومعارضة الفطرة المستقيمة والمنطق الحكيم والقياس السليم مبلغاً بعيداً. إنها ليست مجرد كلماتٍ وأصوات وذبذبات، إنها دعوةٌ إلى الوعي، وإشارة إلى الاصطفاء؛ لأن الله لا يفتح باب الاستماع بانتباه إلا لقلبٍ أراد به خيرًا.
إن المختار بحقّ هو من استجاب؛ فليس الشأن أن تُنادى، بل أن تُجيب. وكم من قلوب دقّت وما دقّقت، وكم من آذانٍ سمعت وما وعت، لكن اختياركم أيها الكرام لا يعني بلوغكم مكانةً دنيويّة بقدر ما يعني مسؤوليتكم عما دخل آذانكم وورد على قلوبكم؛ فكل من اختاره الله ليسمع، فقد اختاره ليعمل. فإذا اختارك لتستمع، اسأل نفسك:
هل أجبت وتجاوبت؟ وما الخطوة التي ستقوم بها لتثبت أنك كنت بحقّ من المختارين؟
