شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

خالد خشفة
محلل وباحث سياسي

 

من غزة إلى لبنان: قراءة في خرائط القوة والسيادة

من غزة المدمّرة إلى الجنوب اللبناني القلق، تمتدّ خيوط المشهد الإقليمي الذي يُعاد رسمه ببطء تحت عنوانٍ جديد هو “الشرق الأوسط الجديد”. ليس الصراع اليوم مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل إعادة هندسة للجغرافيا السياسية، حيث تتراجع الشعارات أمام وقائع الميدان، وتتحوّل “المقاومة” من مفهوم تعبوي إلى أداة في معادلات القوى الكبرى.

ما حدث في غزة بعد قبول حركة “حماس” بخريطة ترامب لوقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل، لم يكن نهاية حرب فقط، بل بداية مشهد جديد تُعاد فيه كتابة خرائط النفوذ والحدود، وتُختبر فيه قدرة الدول على حماية سيادتها من داخلها قبل الخارج.

 

غزة: من شعارات المقاومة إلى واقعية الخسارة

القبول بخريطة ترامب مثّل لحظة فاصلة في تاريخ الصراع. بعد سنوات من الخطاب المرتفع حول “التحرير والمواجهة”، وجدت حماس نفسها أمام وقائع عسكرية واقتصادية لا يمكن تجاوزها. غابت الموازين، وتراجع الدعم الإقليمي، فانكشفت هشاشة البنية السياسية والعسكرية للحركة، لتتحوّل “المقاومة” إلى ورقة تفاوض، لا إلى مشروع دولة.

الشعب الفلسطيني دفع الثمن مضاعفًا: دمار في البنية التحتية، وانكماش في الأمل، وانقسام بين خطاب البطولة وواقع الانهيار. لقد أثبتت تجربة غزة أن الشعارات وحدها لا تصنع دولة، وأن الميدان حين يفقد توازنه يتحوّل إلى مسرح للمساومات. فعندما تتصادم الحركات المسلحة مع القوى الدولية دون غطاء مؤسساتي أو دعم مستدام، تصبح مجرد رقم في حسابات الإقليم.

هنا انتقلت الخسارة من الميدان إلى السياسة، ومن الخطاب إلى الجغرافيا.

الشرق الأوسط الجديد… خرائط تُرسم بالنفط والغاز لا بالشعارات

الحرب الأخيرة في غزة لم تكن حدثًا معزولًا، بل جزءًا من هندسة جيوسياسية واسعة تُعاد فيها صياغة الشرق الأوسط وفق مصالح اقتصادية وأمنية دقيقة. فالمشاريع الإقليمية الكبرى، من خطوط الغاز إلى الممرات البحرية، تتطلّب استقرارًا تفرضه القوة لا العاطفة، والواقعية لا الأيديولوجيا.

لذلك، لم يكن مستغربًا أن تتحوّل غزة إلى محور اختبار لهذا الترتيب الجديد، حيث باتت الحدود الاقتصادية والأمنية أهم من الحدود السياسية.

في هذا السياق، يطلّ جنوب لبنان كمنطقة حساسة في المعادلة الجديدة. ثرواته البحرية وموقعه الجغرافي وحساسيته الأمنية جعلته امتدادًا طبيعيًا لملف غزة. القوى الكبرى تدرك أن من يملك السيطرة على شواطئ الغاز والحدود البحرية يمتلك مدخل القرار الإقليمي، وأن أي فراغ سياسي في لبنان سيُستغل لإعادة رسم خرائط النفوذ، كما حدث في غزة.

 

لبنان: الدرس القاسي من غزة

ما جرى في غزة ليس بعيدًا عن لبنان، فالمعادلة تتكرر: انقسام داخلي، وضعف في القرار المركزي، وتداخل بين الوطني والإقليمي. لكن الاختلاف الجوهري يكمن في أن لبنان ما زال يمتلك فرصة لتصحيح المسار.

التجربة الفلسطينية قدّمت إنذارًا مبكرًا بأنّ ترك القرار الوطني أسيرًا للمحاور يعني فقدان السيادة تدريجيًا.

لبنان اليوم أمام خيارين واضحين:
▪︎ إما أن يستعيد دولته بمؤسساتها الدستورية ويعيد القرار إلى مركزه الشرعي،
▪︎ أو أن يتحوّل إلى ساحة مساومة في صفقات الغاز والطاقة والأمن، حيث لا صوت يعلو فوق مصالح الآخرين.

الدرس من غزة واضح: غياب الدولة هو بداية الهزيمة، واستبدال القوة المؤسساتية بالمحاور هو الطريق السريع نحو الفوضى. الشعوب التي تُدار بخطابات عاطفية دون استراتيجية وطنية، تدفع ثمنًا مضاعفًا عندما يختلط الحماس السياسي بالجغرافيا العسكرية.

 

الحركات الإسلامية بين الإرادة والمأزق الدولي

أحداث غزة كشفت بوضوح أن الحركات الإسلامية، مهما رفعت من سقف الشعارات، لا تستطيع الصمود أمام المنظومات الدولية والاقتصادية الكبرى إذا لم تمتلك أدوات الدولة الحديثة. لقد أصبحت هذه الحركات، بقصد أو بغير قصد، جزءًا من لعبة التوازنات الكبرى، تُستثمر في لحظات وتُستنزف في أخرى.

هذا لا يلغي حق الشعوب في المقاومة، لكنه يضع حدودًا واضحة بين “المقاومة الوطنية” و”الارتهان الإقليمي”. فحين تُفقد القدرة على القرار المستقل، تتحوّل المقاومة إلى عنوان رمزي يبرّر للآخرين إعادة رسم الخرائط باسم التسويات.

إن ما حدث في غزة يثبت أن النوايا الصادقة لا تعوّض غياب المؤسسات، وأن العاطفة لا تبني دولة.

 

بين الواقعية والسيادة: مستقبل المنطقة يُرسم الآن

التسويات التي يجري الإعداد لها من غزة إلى بيروت، مرورًا بالقاهرة والرياض، ليست مجرد تفاهمات مؤقتة، بل جزء من إعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط. في هذا السياق، لا يمكن للبنان أن يحافظ على موقعه إذا لم يواجه الواقع بجرأة عبر تنفيذ الدستور، وحصر السلاح بيد الدولة، واستعادة القرار الاقتصادي والسياسي من أيدي المحاور.

فالشرق الأوسط الجديد لا ينتظر المترددين، بل يُصاغ وفق من يمتلك أدوات القوة. الواقعية السياسية اليوم ليست تخلّيًا عن المبادئ، بل إدراكًا أن حماية الوطن تبدأ من بناء مؤسساته، لا من المزايدات الخطابية.

بين غزة وبيروت: السيادة هي المعركة

غزة لم تكن مجرد ساحة حرب، بل مرآة لما يمكن أن يحدث للبنان إن لم يتدارك واقعه. حين تغيب الدولة تُستباح السيادة، وحين تُستبدل الواقعية بالمزايدات يصبح الشعب هو الضحية.

المعادلة بسيطة لكنها حاسمة:
▪︎ من دون دولة قوية لا توجد مقاومة حقيقية.
▪︎ ومن دون سيادة لا توجد كرامة وطنية.

إنها خلاصة الجغرافيا السياسية الجديدة التي تُرسم بالنفط، وتُثبت بالقوة، وتُكرّس فقط لمن يمتلك قرار نفسه، قبل أن يطالب بقرارات الآخرين.

شاركها.