نبيل شحادة
لهجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تصاعدت إلى درجة التهديد المباشر ووضعه مهلة مُحددة لحركة حماس، يبدو أنها فعلت فعلها مبدئياً، إذ أعلنت الحركة مساء الجمعة، موافقتها على الإفراج عن كل الأسرى الإسرائيليين أحياء وجثامين، واستعدادها للدخول فورًا في مفاوضات لمناقشة كل تفاصيل الخطة التي تعتمد أساساً على وقف العمليات العسكرية الاسرائيلية، وإرسال مساعدات عاجلة، وقيام إدارة مدنية، وإعادة إعمار وتطوير غزة بما يخدم سكانها، إضافة إلى وعد بعدم إجبار أي “غزاوي” على مغادرة القطاع.
ردّ ترامب على اعلان حماس جاء سريعاً، فطالب اسرائيل بوقف قصف قطاع غزة فوراً ، معتبراً أن بيان الحركة يؤشّرُ على “أنهم مستعدون لسلام دائم”. ترامب تابع بما هو أهم فقال أن الأمر “لا يتعلق بغزة فحسب بل بالسلام الذي طال انتظاره في الشرق الأوسط”.
موافقة حماس – وبعيداً عن شروطها – أدت على الفور الى تحوّل سيظهر أكثر في الأيام القادمة في موضوع الضغط الإقليمي والدولي الذي يرشّح مراقبون توجيهه الى لبنان، حيث يواصل حزب الله رفضه العلني لتسليم سلاحه. الدولةَ اللبنانية التي تعهدت بلسان رئيس مجلس الوزراء نواف سلام بأن”مسار حصرية السلاح بيد الدولة أصبح خيارا وطنيا لا عودة عنه” سيضعها أمام واقعٍ جديد وخطير يوجبُ عليها التعاطي مع موضوع السلاح بدقة متناهية وحزم كبير وسريع قبل أن يتحول التهديد السياسي وبلغات مختلفة إلى واقعٍ أمني يدفع ثمنه البلد بأكمله. السلام الذي ذكرهُ ترامب يعني بطبيعة الحال “جرف” أي مكوّن “ممانع” أو “معطّل” للمشروع في المنطقة.
وهو سيدفع الدولة اللبنانية للعمل بطريقة تقطع الطريق على السيناريوهات الصعبة والثقيلة، وهي التي تلقت منذ ايام خبر موافقة ادارة الرئيس ترامب على تمويل يشمل 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوات الأمن الداخلي؛ هو تمويل يحمل في ثنايا ارقامه معان واشارات ورهان دولي حتى اللحظة على الدولة ومؤسساتها الأمنية، وهو أيضاً، رسالة سياسية بأن وعي الدولة لواجباتها، وفرض سيادتها وحصر السلاح بها، له مفاعيل ايجابية مالية واقتصادية إضافة إلى تدفق استثمارات عربية ودولية يحتاجها لبنان في جميع المجالات.
في الجهة المقابلة، حزب الله -حتى الآن- ما زال على موقفه الراسخ الذي يعبّر عنه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم في كل ظهور إعلامي حيث يجدّدُ رفضَ تسليم سلاحه، متهما الحكومة اللبنانية بأنها ارتكبت “خطيئة” ومقصّرة في تحقيق السيادة. موقف قاسم وكذلك غيره من نواب الحزب الذين يستغلون كل مناسبة للتلويح بنفس الخيار، يضع الحكومة أمام معضلة زادها خطورةً صوتُ السيناتور الأميركي ليندسي غراهام من تل أبيب وهو يقول صراحة إن “وقت رحيل حزب الله قد حان، وأن الخطة “ب” جاهزة إذا لم يُنزع سلاح حزب الله سلمياً. خطة تقضي بنزع سلاح الحزب بالقوة العسكرية.” القوة العسكرية فسّرها محللون بأنها تتراوح بين اجتياح اسرائيلي واسع للبنان مدعوم أميركياً، وضربات متواصلة وعنيفة في كل المناطق التي يُعرف أن للحزب فيها وجود أو نشاط ما عسكري أو اقتصادي.
الحزب الذي يتجاهل كل ما سبق، يرفض المسّ بسلاحه أو حتى النقاش فيه رغم أنه لا يستطيع الردً على الاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة، ولا يملك رؤية مستقبلية لحزبه سوى بالشعارات الطائفية وهتافات الموت لاسرائيل، يبدو اليوم أنه أمام لائحة ضيقة من الخيارات التي لم يعتد التعامل معها. قادته الحاليون يفتقرون إلى الحنكة السياسية، وأدوات القوة ووسائل الدعم المعتادة شبه مسلوبة أو معطّلة، وجاء اتفاق وقف النار في غزة ليضع حداً لهامش المناورة التقليدية التي كان يُبدع فيها.
وفي نفس الوقت، يُراكمُ الحزب في كل يوم تأخير على لبنان أثقالاً لا يستطيع تحمّلها في وسط بحر الأزمات التي يعيش فيها منذ عام 2019، فيؤخر المساعدات والقروض ومشاريع الإعمار والاستثمار، ويضع لبنان في عزلةٍ سياسية تُعقّدُ استعادة الثقة العالمية بالنظام المصرفي والاقتصاد برمّته، ويحرمُ لبنان من مجاراة الاستفادة من حركة التطور التي تعيشها جارته سوريا بدعم عربي وغربي واسع، ويفتح الباب أمام الانزلاق الى مواجهة عسكرية جديدة أخطر و أكثر تدميراً مما سبق.
هنالك خيار آخر انتحاري من نوع “الكاميكاز” يتهامس به البعض وهو أن الحزب وبوحي ايراني قد يلجأ الى عملٍ أخرق، يقضي بتنفيذ عمليات هجومية محدودة على الحدود، أو أطلاق صواريخ باتجاه المستعمرات الإسرائيلية لإعلام الجميع أنه ما زال قادراً على إرباك المنطقة وتعطيل أية حلول لا يكون هو أو إيران شركاء فيها، بل وتوصيل رسالة ثانية ومفادها بأن سحب سلاحه سيكلّف الجميع ثمناً باهظاً.
خيار من هذا النوع، لا يحتاج الى خبراء ومحلّلين لتقييمه ومعرفة نتائجه، فالجميع وحزب الله أولهم يدرك حجم القوة الاسرائيلية والبطش والعنف الذين تعتمد عليهما في عملياتها الحربية سواء في غزة أو لبنان ووصولاً إلى اليمن.
في نهاية الأمر، وأمام “تهديدات ترامب” فإنّ الحزبَ يعيشُ ظروفا صعبة، وهو أمام أزمة وجودية لا يُمكن تخطيها بالأفكار البالية التي اعتاد عليها؛ التمسك بسلاحه سيكلفه حربا مدمرة تصيبه وبيئته أولاً ولبنان كله ثانياً، وتنازله عن سلاحه سيكلّفه وجوده ودوره وهيمنته على قرار ومشاركة طائفة في التكوين اللبناني، وسيكلّف إيران أيضاً وجودها على تماس مباشر مع اسرائيل، وورقة ابتزازها في المفاوضات مع الغرب.
