شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

مهدي رضا 

لم يعد خافيًا أنّ طهران تسعى في هذه المرحلة إلى إعادة ترتيب أوراقها الإقليمية بعد سلسلة من الضربات التي كبّدت نفوذها في المشرق خسائر فادحة. ففي تصريحات أدلى بها أحد كبار مسؤوليها الأمنيين، برزت مؤشرات واضحة إلى ما يمكن وصفه بمحاولة “الهجوم المضاد”، انطلاقًا من الساحة اللبنانية التي تشكّل ركيزة محورية للمشروع الإيراني في المنطقة.

لبنان.. منصة لإعادة التموضع

من خلال المواقف الأخيرة، بدا أنّ طهران تراهن بشكل خاص على “حزب الله” لاستعادة حضورها، رغم القرارات الرسمية اللبنانية التي نصّت على حصر السلاح بيد الدولة. الخطاب الصادر عن قيادة الحزب، والذي رُسمت ملامحه خلال احتفالية سياسية في الضاحية الجنوبية، تضمن رفضًا قاطعًا لأي محاولة لنزع سلاحه، مقرونًا بتهديد صريح بالتصعيد وصولًا إلى المواجهة المفتوحة. هذا الخطاب، وبالنظر إلى التوقيت والسياق، يُقرأ باعتباره امتدادًا لموقف إيراني مباشر أكثر مما هو قرار محلي بحت.

سوريا.. جبهة ثانية لمحاولة العودة

إلى جانب لبنان، تسعى إيران إلى استغلال هشاشة الوضع في سوريا للبحث عن موطئ قدم جديد، بعد أن تراجع نفوذها مع التغيرات الميدانية والسياسية هناك. فالتصريحات التي حذرت من أنّ دمشق لن تبقى على حالها في حال استمرار الضغوط الأميركية، تعكس رغبة طهران في إعادة إدخال نفسها لاعبًا أساسيًا في الساحة السورية، ولو عبر ممرات ضيقة يفتحها تعقيد المشهد الداخلي.

أبعاد استراتيجية للهجوم المضاد

هذه التحركات لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للأزمة التي تعصف بالنظام الإيراني، خاصة بعد المواجهات المباشرة الأخيرة مع إسرائيل وما نتج عنها من كشف نقاط ضعف خطيرة في قدراته الدفاعية. من هنا، يصبح التمسك بأذرع طهران الخارجية ضرورة حيوية بالنسبة للنظام، ليس فقط لحماية نفوذه الإقليمي، بل أيضًا كخط دفاع متقدم يحاول من خلاله إبعاد شبح المعركة عن الداخل الإيراني المثقل بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاحتجاجات المتصاعدة.

قراءة في البنية الإقليمية الجديدة

ما يميز هذه المرحلة أنّ إيران تعكس معادلة معكوسة عمّا كانت تعتمدها في العقود الماضية. ففي السابق، كانت سوريا تشكّل القاعدة الخلفية التي تنطلق منها طهران لدعم نفوذها في لبنان وتعزيز قوة “حزب الله”. أمّا اليوم، فالمعادلة انعكست: إذ تُستخدم الساحة اللبنانية كجسر لإعادة تثبيت الوجود الإيراني في سوريا. هذا التحول يبرز حجم التآكل الذي لحق بمشروع التوسع الإيراني نتيجة سلسلة الهزائم والضربات العسكرية والسياسية التي تلقاها في السنوات الأخيرة.

مواجهة مفتوحة مع الدولة اللبنانية

من خلال التلويح باستخدام الشارع والتهديد المباشر للقرارات الرسمية، يرسل “حزب الله” إشارات واضحة بأن سلاحه ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل مسألة استراتيجية تتعلق بالأجندة الإيرانية في الإقليم. هذا التصعيد السياسي والإعلامي يضع لبنان أمام معادلة صعبة: إما القبول باستمرار دور السلاح خارج سلطة الدولة، أو مواجهة احتمالات الصدام مع قوة تمتلك دعمًا مباشرًا من طهران.

مشروع إيراني مأزوم يبحث عن متنفس

يمكن القول إنّ ما نراه اليوم هو محاولة إيرانية لإعادة بناء شبكة النفوذ في الإقليم، من خلال الإمساك مجددًا بلبنان والسعي إلى اختراق الساحة السورية. هذا التحرك يعكس في جوهره خشية النظام من انتقال المعركة إلى الداخل الإيراني، حيث يواجه أزمات متفاقمة وضغوطًا متصاعدة بفعل العقوبات وتفعيل آلية الزناد والاحتجاجات الشعبية. إنّ الهجوم المضاد في الخارج ما هو إلا انعكاس لأزمة عميقة في الداخل، ومحاولة يائسة لتأجيل مواجهة لا مفر منها.

شاركها.