د. طوني حنّا
يُهوَّل علينا، نحن المغتربين، اليوم مجدداً بطرح “النواب الستة” المخصّص لتمثيل المغتربين اللبنانيين في الخارج، وهو مشروع يبدو في ظاهره محاولةً لإنصاف الانتشار اللبناني، لكنه في الحقيقة خطوة خطيرة تهدّد التوازن الوطني والعيش المشترك، وتمهّد لعزل الأقليات عن بيئاتهم الأصلية وتحويل المدن المتنوعة إلى مساحات أحادية اللون تفقد غناها وتنوّعها الطبيعي. فالقانون الحالي الذي اعتمد النسبية، ورغم كل الملاحظات عليه، أثبت أنه القانون الأكثر عدالة من حيث تمكين كل فئة في المجتمع من أن تعبّر عن نفسها داخل دائرتها الانتخابية، وأن يسمح بالتفاعل والتلاقي داخل المدينة الواحدة بعيداً عن التقسيم والانغلاق.
لقد أتاح القانون النسبي، ولأول مرة، أن تؤثّر أصوات الأقليات في المناطق في وصول المرشحين إلى قبة البرلمان، وأن يتمكّن مرشّح من الأقليات المناطقية من أن يعبّر عن مدينته من داخلها لا من خارجها. والمثال الأبرز هو انتخاب نائب ماروني من أبناء طرابلس نفسها، وهو إنجاز لم يتحقق في ظل القوانين السابقة التي كانت توصل ممثلين عن طرابلس من مناطق أخرى لا تمتّ للمدينة بصلة اجتماعية أو وجدانية. هذا الإنجاز لم يكن نتيجة صدفة، بل ثمرة مباشرة للقانون النسبي الذي سمح بأن يكون الصوت التفضيلي أداة تمثيل حقيقية لا شكلية، وأن تتحوّل الأقليات إلى قوة اقتراع مؤثرة تفرض حضورها ضمن نسيج المدينة، لا كضيفٍ عليها بل كجزء من تكوينها الاجتماعي.
أما السمّ في الدسم، المتمثّل بالقانون القاضي بانتخاب ستة نواب فقط لتمثيل المغتربين اللبنانيين في الخارج، فيحمل خطراً مضاعفاً ومؤامرة مشبوهة بحق اللبنانيين عموماً والمسيحيين بشكل خاص. فبدلاً من أن يصوّت المغترب لمرشّحي منطقته الأصلية ويعبّر عن انتمائه إلى مدينته، سيُجبر على التصويت لستة أشخاص يُختارون على مستوى الانتشار اللبناني، أي أن صوته سيفقد معناه المحلي والوجداني، وسيتحوّل إلى رقم في معادلة سياسية لا تشبهه ولا تعبّر عن هويته.
مثلاً، أنا كمغترب لبناني في كندا، ابن مدينة طرابلس، أرى أن حقي في التصويت لمرشّحي مدينتي هو امتداد طبيعي لانتمائي إليها، وهو الرابط الذي يبقيني جزءاً من نسيجها الاجتماعي والسياسي رغم ابتعادي الجغرافي عنها. فعندما أصوّت لمرشح طرابلس، أمارس انتمائي العملي للمدينة، وأحافظ على سجلي فيها، وأشارك في تقرير مستقبلها، تماماً كما لو كنت فيها.
لكن إذا فُرض عليّ أن أصوّت لستة نواب لا أعرفهم، وربما لا ينتمون إلى طرابلس ولا إلى بيئتي، فحينها أفقد هذا الرابط وأفقد حقي في أن أكون مؤثراً في مدينتي. وعندها يصبح انفصالي عنها كاملاً: انفصلت عنها جغرافياً بسبب الهجرة، ثم انفصلت عنها سياسياً بسبب القانون. وحين أفقد هذا الرابط، يصبح من السهل عليّ أن أنقل قيودي إلى مدينة أخرى حيث لا أكون أقلية فيها، أو أن أتحوّل مع الوقت إلى مواطن بلا جذور سياسية، لا علاقة له بمصير مدينته. ومع تكرار هذه الحالة عند آلاف المغتربين من الأقليات، تفقد المدن المتنوعة حضورهم المؤثر، وتتحوّل تدريجياً إلى بيئات أحادية الاتجاه.
هذا الانقطاع لا يضرّ بالأقليات وحدها، بل يضرب أساس التوازن في المدن. فوجود المسيحيين في طرابلس، كما وجود المسلمين في زحلة أو في مناطق أخرى، ليس تفصيلاً ديموغرافياً بل هو عنصر من عناصر الاستقرار الوطني. إنه ما يجعل المدينة مرآة للتعايش والتكامل. وإذا حُرم هؤلاء من ممارسة حقهم في التصويت لمدنهم، فإنهم سيتحوّلون مع الوقت إلى أصوات مهمّشة خارج الدائرة الفعلية لصناعة القرار المحلي، وهذا ما سيترك المدن الكبرى رهينة لخطابات متطرفة أو أحادية، تفرض لوناً واحداً وصوتاً واحداً ورؤية واحدة.
ولعلّ أخطر ما في هذا المشروع أنه يخدم – من حيث لا يُقال – الصورة التي حاول البعض منذ سنوات إلصاقها بطرابلس. هؤلاء الذين ما انفكوا يصوّرون المدينة على أنها “بؤرة متشددة” أو “بيئة مغلقة” هم أنفسهم اليوم يدفعون نحو قانونٍ سيجعل من طرابلس مدينة ذات وجه واحد، بعدما تُلغى منها الأصوات المعتدلة والمنفتحة التي شكّلت عبر التاريخ توازناً حضارياً حقيقياً. إنّ إقصاء الأقليات سيُسهّل مستقبلاً تلوين المدينة كيفما شاءوا، وسيُتيح للبعض أن يعيد إنتاج خطاب الإقصاء نفسه الذي لطالما قاومناه جميعاً.
طرابلس لم تكن يوماً مدينة من لون واحد. إنها مدينة العلم والعلماء، مدينة الحرية والانفتاح، مدينة تشهد على قرونٍ من العيش المشترك والتنوّع الحقيقي. ففي حين حافظ القانون النسبي على هذه الروح، إذ سمح بتفاعل مكوّنات المدينة داخل صندوق واحد، يأتي مشروع النواب الستة ليسلخ اللبنانيين عن أرضهم وعن مدنهم، ويحوّل التصويت إلى عملية رمزية بلا جذور، ويمهّد عملياً لإلغاء التنوع الذي نتمسّك به.
إن الدفاع عن حق المغترب بالتصويت لمدينته ليس مطلباً تقنياً، بل واجب وطني وأخلاقي. فمن دون هذا الحق، لن يبقى للمغترب سوى الغربة نفسها، ولن تبقى لمدن لبنان سوى وجوه من لون واحد.
في النهاية، يعلم الجميع من يهاب الصوت الاغترابي. إنهم هم من فرضوا تمثيلهم بالخدمات، التي هي حق لكل مواطن دون منّة من أحد، أو بهيمنة سلاح من هنا وتهديد بالقتل من هناك. إن الشمس طالعة والناس قاشعة، ومن يحاول اليوم عرقلة التأثير الاغترابي يعلم جيداً أنه ماضٍ بقدميه إلى مزبلة التاريخ، ولو بعد حين.!
