زياد سامي عيتاني
مدينة صيدا، لطالما كانت مركزًا مهمًا للنفوذ السني في لبنان، وتمثل حلقة أساسية في خارطة القوى السياسية المحلية منذ التسعينيات. المقعد النيابي في صيدا ليس مجرد موقع سياسي، بل هو رمز للزعامة التقليدية الذي يعكس العلاقة التاريخية بين العائلات الكبيرة والهوية السياسية للسكان. في هذه المدينة، تتداخل السياسة بالحياة الاجتماعية، ويصبح كل انتخاب أو قرار سياسي انعكاسًا لموازين القوى فيها
خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الأصوات حول نزاع خفي داخل بيت المرحوم الحاج مصطفى الحريري “أبو نادر”، بين زوجته بهية الحريري، ونجلها الأصغرأحمد الحريري (الأمين العام لتيار المستقبل) والطامح لإعادة تعريف دوره السياسي.
النزاع بين الأم والابن لا يمثل مجرد خلاف عائلي، بل مؤشر على أزمة أعمق داخل التيار الأزرق بعد تراجع الدور المباشر لسعد الحريري وظهور تحديات تنظيمية وسياسية تهدد استمرار التيار على الصعيد الوطني. وفي هذا الإطار يؤكد مصدر مقرب من العائلة أن: “الحريرية تحتاج اليوم إلى توازن دقيق بين إرث الماضي وطموح المستقبل، والخطأ في أي خطوة قد يكلف الكثير”.
فالمدينة التي شهدت صعود الحريرية منذ التسعينيات، أصبحت مؤشراً أولياً لأي تحولات في الساحة السنية اللبنانية. وفي هذا السياق، يصبح النزاع بين الأم والابن اختبارًا لقدرة البيت السياسي على التكيف مع التغيرات المحلية والوطنية.
إرث الحريرية في صيدا بين الاستمرارية والتجديد
منذ التسعينيات، كانت صيدا معقل الحريرية في لبنان الجنوبي. تحت قيادة الرئيس رفيق الحريري، حيث ارتبطت بمشاريع التنمية بكل مندرجاتها، اضافة الى مشاريع البنية التحتية، إلى جانب دعم مؤسسات تعليمية وصحية وخيرية. هذه العلاقة المستمرة بين السياسة والخدمات الاجتماعية جعلت من الحريرية قوة صلبة لا تقبل بسهولة التحديات الداخلية أو المنافسة الخارجية.
بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، ظهرت بهية الحريري كواجهة تقليدية للحريرية في صيدا، مستندة إلى شبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية والخيرية التي أسسها الرئيس الشهيد والتي حافظت على ارتباط السكان بالحالة الحريرية. وهذه المؤسسات لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ الشرعية الشعبية للحريرية، وضمان استمرار الزعامة السياسية للعائلة.
هذه الشبكة ليست مجرد وسيلة للتواصل مع السكان، بل أداة سياسية استراتيجية تربط المواطن بالتيار بشكل مباشر. وقد ساعد هذا الترابط على الحفاظ على مقعد النيابة منذ عام 1992 وحتى اليوم. وكتبت صحيفة النهار عام 2009: “بهية الحريري تمثل صوت الحريرية في صيدا، ووجودها رمزي وعملي في الوقت نفسه.”
في المقابل، بدأ أحمد الحريري بمحاولة إعادة رسم دوره داخل التيار، مع التركيز على تطوير أسلوب العمل السياسي، وتوسيع النفوذ بين الشباب والفئات الجديدة. هذه المحاولات شكلت نقطة احتكاك واضحة بين الاستمرارية والتجديد داخل العائلة.
فأحمد الحريري يسعى لإعادة تعريف الزعامة السياسية، مع إدخال أساليب إدارة حديثة، واستخدام وسائل التواصل والإعلام الرقمي. ومع ذلك، فإن هذا الطموح يصطدم بالأسلوب التقليدي الذي تتبعه بهية في قيادة حيثيتها في المدينة. الصراع بين الأم والابن يعكس بشكل مباشر تحديات أي تيار سياسي في التوازن بين الإرث السياسي القديم والحاجة للتجديد.
أحمد وصراع على النفوذ
-التحديات التنظيمية والإدارية
منذ تعيينه أميناً عاماً للتيار في 2010، سعى أحمد لتوسيع تأثيره السياسي، لكنه واجه تحديات عدة:
-فقدان جزء كبير من القيادات الأساسية، مما أدى إلى اعتماد أكبر على الولاءات الشخصية بدلاً من السياسة الجماعية.
-تراجع الموارد المالية، ما أثر على قدرة التيار في تمويل المشاريع الاجتماعية والخدماتية التي كانت وسيلة رئيسية لتقوية النفوذ.
-الاعتماد على الإعلام والظهور الرمزي بدل النشاط الميداني المباشر مع الناخبين.
وقد أكد أحمد في مقابلة مع صحيفة الأنباء الكويتية، 2025: “الحريرية السياسية باقية، وسنواصل نشاطنا السياسي رغم التحديات الراهنة”.
لكن تحليلات الصحف المحلية، مثل الأخبار ونداء الوطن، تشير إلى أن قيادة أحمد قد أفرغت التيار من المضمون السياسي الشعبي الفعلي، مما يجعل القوة الحقيقية للتيار في صيدا تعتمد على الولاءات التقليدية والمؤسسات الاجتماعية.
صدام الأم والابن
النزاع بين بهية وأحمد ليس مجرد خلاف سياسي وعائلي، بل صراع على الرؤية السياسية المستقبلية للتيار الأزرق، حيث أن بهية الحريري تمثل القيادة التقليدية، المحافظة على إرث العائلة، والخطوات المحسوبة في مواجهة المنافسين، فيما أن أحمد الحريري يسعى لإعادة تعريف الزعامة، تطوير أسلوب إدارة التيار، لكنه يفتقر إلى الدعم الشعبي الكافي.
وأشارت صحيفة الأخبار إلى أن “التيار يعاني من ازدواجية القيادة بين الأم والابن، الأمر الذي يضعف قدرة التيار على مواجهة المنافسين في صيدا”.
الجدل بين الاستمرارية والتجديد يظهر بوضوح في استراتيجية الانتخابات، إدارة المؤسسات، والتواصل مع القواعد الشعبية، ويجعل التيار أكثر عرضة لأي تحولات مفاجئة على الساحة المحلية. وهذا ما لفتت إليه صحيفة الأخبار: “التيار يعاني من ازدواجية القيادة بين الأم والابن، الأمر الذي يضعف قدرة التيار على مواجهة المنافسين في صيدا.
إضافة إلى ذلك، يشير مراقبون إلى أن هذا الصدام يولد حالة من الارتباك التنظيمي، ويضعف القدرة على التعبئة الشعبية خلال الأزمات المحلية والوطنية.
التداعيات على تيار المستقبل
الأزمة في صيدا تعكس مأزقاً وسعاً للتيار الأزرق:
-فقدان جزء كبير من كوادره التنظيمية بعد انسحاب سعد الحريري.
-ضعف الشرعية الشعبية نتيجة تراجع الأداء الميدانية.
صعوبة التعبئة الشعبية في المدن التقليدية، ومنها صيدا.
وهذا ما أضاءت عليه صحيفة نداء الوطن: “التحدي الأكبر للتيار ليس في صيدا فقط، بل في كيفية الحفاظ على صورة زعامة سنية موحدة في ظل الفراغ القيادي الحالي”.
لذلك، فإن التحليلات تشير إلى أن أي خطأ في إدارة النزاع سيؤدي إلى تراجع النفوذ الحريري في صيدا، مع فتح المجال لمنافسين محليين لتعزيز مواقعهم على الساحة السنية.
وهذا ما دفع صحيفة النهار للقول إن: الزعامة السنية تواجه تحديات داخلية وخارجية، وصيدا ستكون اختباراً لقدرة بيت الحريري على الصمود.” أي تحرك خاطئ داخل البيت الحريري يمكن أن يؤدي إلى تغييرات سريعة في الخارطة السياسية للمدينة، وربما إعادة ترتيب التوازنات على المستوى الوطني.
النزاع الخفي بين بهية وأحمد الحريري لم يعد مجرد صراع عائلي على الزعامة، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة تيار المستقبل على الصمود في صيدا، المعقل التقليدي للحريرية. ما يلفت الانتباه هو أن أحمد، رغم طموحه في إعادة تعريف دوره السياسي، قاد التيار إلى مرحلة من الارتباك التنظيمي وفقدان المضمون الشعبي، الأمر الذي أضعف الدور التقليدي للتيار في المدينة.
التحركات الإعلامية التي شنّها أحمد في محاولة لترسيخ صورته وتوسيع نفوذه، لم تُترجم حتى الآن إلى قاعدة شعبية حقيقية، بل تركت فراغًا استغله المنافسون المحليون.
صيدا باتت تشهد اختبارًا مباشرًا لما إذا كان طموح أحمد قادرًا على الحفاظ على مكانة الحريرية، أم أنه يعرضها لمخاطر فقدان السيطرة أمام المنافسين المحليين والإقليميين.
