شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

أحمد قصيراوي

ظاهرة استثنائية تشهدها طرابلس، وهي تولّي مجموعة شبابية مناصب جدّية وتغييرية في المدينة. هذه الظاهرة لا تبدو عابرة، بل تحمل دلالات على تحوّل تدريجي في المشهد السياسي والإداري لمدينة أنهكها الحرمان والإهمال لعقود طويلة. فهل تكون هذه الطاقات بداية نهضة حقيقية، أم أن طرابلس ستعيد إنتاج إخفاقاتها السابقة؟

شباب في مواجهة الجمود

طرابلس، التي طالما عانت من الفقر والتهميش وغياب التنمية، تقف اليوم أمام جيل يختلف عن السائد؛ جيل لا يُقاس عمره بالسنوات بل بقدرته على كسر النمط التقليدي وصياغة مشاريع عملية.
ما يميّز هؤلاء أنهم لم يكتفوا بالشعارات، بل دخلوا إلى الميدان بخطوات فعلية، محاولين استعادة دور المدينة كحاضرة الشمال ومركز إشعاع اقتصادي وثقافي.

وجوه جديدة تحمل مشروعًا مختلفًا

على سبيل المثال لا الحصر، ومن هذه الوجوه الشابة (مع حفظ الألقاب) — وهنا لا يقتصر مفهوم الشباب على الأعمار فقط، بل على الفكر التجديدي الخارج عن المنظومة التقليدية والبيوتات السياسية — فقد تسلّم وائل زمرلي رئاسة اتحاد بلديات الفيحاء، وعبد الحميد كريمة رئاسة بلدية طرابلس، وهاني شعراني رئاسة معرض رشيد كرامي الدولي. ومن قبلهم أعطت المدينة ثقتها للنائب إيهاب مطر. واليوم نشهد جيلًا جديدًا يساهم في تنمية المدينة، وربما يكون بينهم مرشحون جديون للمجلس النيابي القادم، عدا عن المجلس البلدي الجديد، واللائحة تطول. فجميع هؤلاء وغيرهم عبّروا عن حبهم لطرابلس عبر مشاريع إنمائية حقيقية وأفكار جدية للنهوض بالمدينة، وما زال في جعبتهم الكثير.

الشارع الطرابلسي: بين الأمل والريبة

ردود فعل الشارع الطرابلسي تجاه هذه الوجوه الشبابية متباينة. ففئة واسعة من الناس ترى أن دخول الشباب إلى مواقع القرار يمثل بصيص أمل في مدينة سئمت الوجوه التقليدية والوعود الفارغة، وتعتبر أن هذه المبادرات، مهما كانت متواضعة، أفضل من الجمود الذي عاشته طرابلس لعقود.
في المقابل، هناك من يتوجّس من قدرة هؤلاء على الصمود أمام ماكينة سياسية واقتصادية قوية، ويخشى أن يتحوّلوا إلى إضافات تجميلية في مشهد لم يتغيّر جوهريًا. بين التفاؤل والحذر، تبقى العين على النتائج العملية التي ستظهر خلال السنوات المقبلة.

التحديات: بين الأمل والعراقيل

غير أن المشهد ليس بهذه السهولة. فالسؤال المطروح: هل سيُسمح لهؤلاء الشباب بالنجاح فعلاً؟
المبادرات الفردية، مهما كانت جادة، تصطدم بجدار صلب من المعوّقات:
• منظومة سياسية اعتادت احتكار القرار وتعطيل أي تغيير يهدّد مصالحها.
• موارد منهوبة ومالية عامة مثقلة بالفساد والمحسوبيات.
• عقلية زبائنية لا ترى في طرابلس سوى ورقة انتخابية ومخزون بشري للتجييش.

الخطر أن تتحوّل هذه التجارب إلى محاولات معزولة، محاصَرة، ومنهَكة أمام ماكينة سياسية واقتصادية اعتادت سحق أي مشروع تغيير.

طرابلس أمام امتحان تاريخي

ما يميّز اللحظة الراهنة هو أن المدينة لم تعد تفتقر إلى الكفاءات، بل إلى ثقة حقيقية تُمنح لهم. طرابلس بحاجة إلى أن تؤمن بشبابها، أن تحتضن مبادراتهم، وأن تدعم وجوهًا جديدة قادرة على صياغة نموذج مختلف في الإدارة والسياسة.

إذا انتصرت طرابلس لشبابها، فقد تستعيد دورها الطبيعي كحاضرة أساسية للشمال وواجهة لبنان على البحر المتوسط. أمّا إذا استسلمت مجددًا للصفقات والولاءات الضيقة، فستبقى عالقة في دوامة الفقر والتهميش.

طرابلس ليست بحاجة إلى شعارات جديدة بقدر ما هي بحاجة إلى قرار شجاع بفتح المجال أمام طاقات حقيقية. الشباب ليسوا مجرد زينة انتخابية ولا أصواتًا عابرة، بل هم الأمل الأخير لمدينة أرهقها الاستهلاك السياسي.

والسؤال، بكل وضوح، يبقى قائمًا: هل تنصر طرابلس شبابها وتمنحهم فرصة التغيير؟ أم أن المدينة ستكرر مأساة دفن أملها بيديها؟

شاركها.