شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

خالد خشفة

محلل وباحث سياسي

لبنان اليوم يعيش مرحلة حرجة، تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع التحولات الإقليمية الكبرى، ليصبح البلد في قلب شبكة معقدة من التوازنات، تمنعه من الانطلاق نحو إصلاح حقيقي أو نهضة اقتصادية مستدامة. الدولة اللبنانية، رغم استمرارها شكلياً، تجد نفسها معلّقة بين الجمود والأمل، بين واقع هشّ وآمال مؤجلة، في وقت يعكس كل تحرك داخلي انعكاسات مباشرة على الاستقرار الإقليمي وعلى موازين القوى الدولية.

التاريخ يتكرر مقارنة مع عهد إميل لحود وخلافه مع رفيق الحريري:
خلال عهد الرئيس إميل لحود (1998 – 2007)، شهد لبنان صراعات حادة بين الرئاسة والحكومة، خصوصاً مع رئيس الحكومة الشهيد رفيق الحريري، الذي كان يسعى لإطلاق مشاريع إصلاحية حقيقية، بينما تمسّك لحود بخطاب السلم الأهلي والتوازن الطائفي.
الاتفاقات بين لحود ورئيس مجلس النواب أنتجت هيمنة لحزب الله على القرار الداخلي، عبر توزيع النفوذ على أسس طائفية وشخصية، مما أضعف دور الحكومة ومؤسسات الدولة. تلك الفترة مثلت مرحلة مفصلية في كيفية تحييد الدولة وإبقاء السلاح خارج سيادتها، وهو النموذج ذاته الذي نراه اليوم يُعاد إنتاجه.

اليوم، الرئيس جوزاف عون يعيد نفس الأخطاء، باستخدام السلم الأهلي لتجميد أي موقف حاسم ضد حزب الله، والانخراط في “دويكا” ثنائية مارونية – شيعية مع بري وحزب الله، مع تجاهل فرص الإصلاح. هذا التشابه التاريخي يعكس كيفية إعادة إنتاج أسلوب هيمنة حزب الله على حساب دور الحكومة ومؤسسات الدولة، ويؤكد أن لبنان ما زال أسير توازنات إقليمية أوسع من إرادته.

الواقع السياسي على الأرض يظهر أن أي إعادة ترتيب للقوى يعيد إنتاج شراكة ثنائية على حساب المشاركة الوطنية الفاعلة. وقد يكون الصراع مرتبطاً بتثبيت موقع الشيعة في السلطة. وهذا يعني أن أي خطة إصلاحية أو مشروع سياسي جديد سيكون مرتبطاً مباشرة بمدى قدرة القوى الخارجية والداخلية على كبح نفوذ حزب الله وحصر السلاح بيد الدولة.

لبنان على هامش الاهتمام الغربي:
قمة نيويورك الأخيرة أبرزت اهتماماً مميزاً بالرئيس السوري أحمد الشرع، بينما بقي لبنان بعيداً عن الأضواء، رغم توقعات اللبنانيين بأن يعود ملف بلادهم إلى صدارة الأولويات.
الإدارة الأمريكية ومعظم العواصم الأوروبية ركّزت اهتمامها على استقرار الإقليم الأوسع، تاركة لبنان في حالة جمود منظّم. الدولة قائمة ومؤسساتها تعمل بحدّها الأدنى، لكن أي مشروع إصلاحي أو خطة اقتصادية لم ترَ النور.
المجتمع الدولي يتعامل مع لبنان كملف مؤجل، يحافظ على الدولة من الانهيار، لكنه لا يملك القدرة على إطلاق إصلاحات عميقة طالما بقي السلاح خارج سيطرة الدولة. المؤتمرات لدعم الجيش والمؤسسات الرسمية محدودة، وتركز على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والاقتصادي، دون إطلاق مسار إصلاح اقتصادي حقيقي.

النهج الحالي يعكس ضعف الإرادة السياسية الداخلية وغياب الاستراتيجية الوطنية الشاملة، ويؤكد أن أي إصلاح طويل الأمد مرتبط أولاً بفرض سيادة الدولة، واستعادة استقلال القرار السياسي، وحصر السلاح خارج المنظومة الرسمية.

زيارة علي لاريجاني وضعت حدوداً واضحة: حزب الله لا يزال يعتبر سلاحه جزءاً من منظومة الردع الإقليمية المرتبطة بإيران، وأي نقاش حول تسليمه يبقى خطاباً سياسياً داخلياً بعيداً عن التطبيق الفعلي.
هذا الواقع يعكس أن أي خطة لإعادة الدولة إلى كامل سيادتها لن تنجح إلا بفرض الدستور، وإعادة حصر السلاح في مؤسسات الدولة، وتفعيل المؤسسات القضائية والأمنية لضمان تطبيق القوانين.

أزمة صخرة الروشة اختبار العلاقة بين الرئيس والحكومة:
الاجتماع الأخير بين عون وسلام، حول حادثة إضاءة صخرة الروشة، أظهر تشنّج العلاقة بين الرئاسة والحكومة:
▪︎ سلام أصر على محاسبة المخالفين وإحالتهم إلى القضاء بالتساوي.
▪︎ عون تمسّك بتحييد الجيش وعدم تحميله المسؤولية، مؤكداً أن السلم الأهلي يبقى أسمى من أي اعتبارات.

هذا الخلاف يبرز التحديات الداخلية في مواجهة تجاوزات حزب الله، ويظهر محدودية قدرة الحكومة على فرض إرادتها، كما يؤكد أن أي تحول سياسي حقيقي مرتبط بتطبيق الدستور وحصر السلاح بيد الدولة.

لبنان في مرآة التغيرات الإقليمية:
التحولات الإقليمية الكبرى، والتقارب السعودي – الإيراني، قد يخففان التوتر لكنه لا يحل مسألة سلاح حزب الله. ومن جهة أخرى، عودة سوريا إلى الساحة الدولية تقلل من أهمية لبنان في أجندة اللاعبين الكبار. الضغوط الغربية تربط أي دعم اقتصادي وإصلاحات بنتائج ملموسة على الأرض.
لذلك، لبنان اليوم يتحوّل إلى ساحة متأثرة، وليس فاعلاً مستقلاً، وكل تحوّل إقليمي ينعكس مباشرة على الداخل وتوزيع القوى بين المكوّنات.

الجمود الداخلي بانتظار التغيير:
اليوم يعيش لبنان مرحلة جمود سياسي واقتصادي مقصود، يحافظ خلالها على الحد الأدنى من الدولة، لكنه لا يملك القدرة على الانطلاق نحو إصلاح شامل.
نجاح نواف سلام يعتمد على تغيّر الموازين الداخلية والإقليمية، وقدرة لبنان على تجاوز الجمود الراهن. أي حل للأزمة اللبنانية مرتبط بتطبيق الدستور، وحصر السلاح بيد الدولة، واستعادة سيادة مؤسسات الدولة على كامل التراب الوطني.

مما يضع الرئيس نواف سلام في مواجهة الجمود، فهو أصبح نموذجاً لشخصية رجل الدولة الذي يمكنه أن يعيد الثقة الغربية بمؤسسات الدولة. ومن أبرز مواقفه:
▪︎ دعم استقلالية القضاء وفصل السياسة عن القرارات القضائية.
▪︎ توحيد مؤسسات الدولة تحت سلطة القانون.
▪︎ محاسبة المسؤولين عن الفساد وإصلاح المالية العامة.
▪︎ تأكيد حصر القرار السيادي بالدولة، بما في ذلك إدارة الأمن والسلاح.

يبقى لبنان معلّقاً بين الجمود والأمل، بين انتظار التغيير وخطر التهميش الداخلي. ويترقب موازين القوى الإقليمية لتبدأ صفحة جديدة من النهوض والإصلاح. ويظل السؤال: هل سيتعلم السياسيون من التاريخ أم سيعيدون إنتاجه من جديد؟

شاركها.