الأيوبي: كيف يمكن لترامب فرض السلام وهو يُلغي حق الشعب الفلسطيني بحكم نفسه؟

أنطون الفتى
على مسافة وقت قليل من الردّ الرسمي الذي ستقدّمه حركة “حماس” على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزة، وبمعزل عن احتمالات الرفض التام، أو عن التعديلات التي قد تطلبها الحركة في هذا المجال، بدأت بعض الأصوات والمنصّات التابعة للأخوان المسلمين تعبّر عن رفضها لما وضعه ترامب، وتوصّف أي قبول به بأنه خيانة، وخطة لتكريس الاستسلام واستمرار الاحتلال، وذلك بموازاة اتّهام دول عربية وإسلامية بلعب دور الوكالة عن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
ردّ استباقي؟
فهل يمكن اعتبار ما يصدر من مواقف عن تلك المنصات والأصوات، وكأنه الردّ الرسمي الاستباقي لـ “حماس”، التي تعود في أصولها لجماعة الأخوان المسلمين؟ وماذا عن مرحلة ما بعد هذا الرفض، على المستويات الفلسطينية – الفلسطينية، والفلسطينية – العربية، والفلسطينية – الأميركية، لا سيّما أن ترامب كان اجتمع بقادة دول عربية وإسلامية في نيويورك الأسبوع الفائت، أي قبل أيام من إعلان خطته لمستقبل غزة، حاشداً الدعم العربي والإسلامي لها منذ ما قبل إعلانها بشكل رسمي.
ستالينغراد – غزة…
أشار الكاتب والمحلّل السياسي أحمد الأيوبي الى أن “موقف قطر التي هي الوسيط الأساسي والقريب من “حماس”، يقول إن خطة ترامب بعنوانها العريض الذي هو وقف الحرب في غزة، مقبولة، ولكن توجد بعض البنود الأساسية الإشكالية خصوصاً في ما يتعلق بإغفال موضوع الدولة الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية التي ستقوم، وبعض النقاط المتعلّقة بمستقبل الفلسطينيين، وبعدم وجود ضمانات دولية في ما يخصّ مرحلة ما بعد تسليم السلاح من جانب “حماس”.
ولفت في حديث لوكالة “أخبار اليوم” الى أن “لنفترض أنه تمّت الموافقة على خطة ترامب الآن، فهي ستنفجر في وقت لاحق إذا لم يَكُن لديها آليات تطبيقية واضحة. وبالتالي، من الأفضل أن تُناقَش وأن يتمّ إيجاد حلول لها، لأن إذا قرّر ترامب ونتنياهو فرضها بالقوة في النهاية، فإن غزة ستُصبح ستالينغراد في تلك الحالة، إذ لا إمكانية لإطباق الاحتلال على قطاع غزة بشكل كامل، وسيكون بحالة مقاومة مستمرة لسنوات ربما”.
بلير “الغشّاش”؟
وذكّر الأيوبي بأن “ترامب يقول إن “حماس” ستواجه الجحيم. فهل هذا يعني أكثر من ذاك الموجود في غزة الآن؟ وماذا يمكن أن يكون هناك أكثر بعد على هذا الصعيد؟ ما عاد يوجد ما يخسره الفلسطينيون في غزة، وأصبح الموت مسألة شبه عادية بالنّسبة إليهم. وبالتالي، من المُفتَرَض أن يتمّ الوقوف عند الإشكاليات الأساسية، إذا كانت توجد إرادة حقيقية لإيجاد حلّ”.
وشدد على أن “فكرة تعيين حاكم غربي ليحكم منطقة عربية بهذا الشكل، هي فكرة مخيفة بصراحة، خصوصاً أن الإسم المتداول هو توني بلير، ونحن نعلم أنه كان الغشّاش والكاذب الأكبر بموضوع الحرب على العراق، إذ قام بتقديم تقارير كاذبة، وغشّ المجتمع الدولي. فتعيين حاكم بهذه المواصفات وبهذا التاريخ ليحكم منطقة عربية، هو إعادة للاستعمار. وبالتالي، هناك تعقيدات كثيرة تمنع تنفيذ خطة ترامب بسهولة”.
النظام الإيراني
ونبّه الأيوبي الى أن “المسألة الأخرى المهمّة هي ماذا سيكون موقف إيران بالإتجاه الغربي والأميركي والاسرائيلي؟ يُحكى حالياً عن التحضير لحرب على إيران، وهي مُستنفِرَة في المنطقة. كما أن المسؤولين الإيرانيين عادوا للحديث عن توازنات جديدة، وعن أن “حزب الله” تعافى، وعن أنه قادر على أن يقلب المعادلات. وفي تلك الحالة، هل ستتمكّن إيران من بثّ الفوضى والإرباك في المنطقة إذا استنفرت، وقامت بمحاولات جديدة مع الميليشيات الخاصة بها، وإذا عاد الحوثيون لضرب السفن في البحر الأحمر؟ أم إن نظرية قطع رؤوس الأفاعي ستُفعَّل؟ فقطع رؤوس الأفاعي يعني إسقاط النظام الإيراني، وهذا كلّه سيؤثر على المنطقة. هذا مع العلم أن غزة تخوض حربها الخاصة، لا سيّما أن الإسناد الإيراني كان شكلياً رغم فداحة الثمن الذي دفعه “حزب الله” في لبنان”.
المزاج العربي
ورأى الأيوبي أن “هناك خلطة رهيبة في المنطقة، والحروب مستمرة فيها بعد، إذ توجد محاولة لرسم خريطة جديدة لها. ونلاحظ أن المزاج العربي عموماً تغيّر بعد العدوان الإسرائيلي على الدوحة، وذلك سواء اعتذر نتنياهو من أمير قطر بحضور ترامب أم لا. فالعرب يفكرون الآن بجدوى تسهيل مهمّة إسرائيل في القضاء على “حماس” و”حزب الله” والحوثيين، إذا كان الدور سيصل الى كل الدول العربية بعد ذلك؟”.
وأضاف:”هذه نظرية مصرية. فنظام الحكم في مصر يحاول أن يُقنع العرب بها، وهي أنه إذا تمّ القضاء على “حماس” و”حزب الله” والحوثيين، فسيتفرّغ الإسرائيلي للعرب لاحقاً بما أنه قصف الدوحة، وهدّد بضرب تركيا ومصر، وقصف مبنى وزارة الدفاع السورية في دمشق. وبالتالي، من يمنعه عن الإكمال بهذه الطريقة؟ وكل تلك الوقائع تدفع المزاج العربي الى فرملة وإعادة النظر بفكرة المسار الإبراهيمي والتطبيع والسلام مع إسرائيل، وهو مسار فشل في النهاية”.
أوروبا؟
وردّاً على سؤال حول ما إذا كان يمكن لأوروبا، الشريكة للسعودية في الدّفع باتّجاه حلّ الدولتَيْن، أن تُعيد خلط بعض الأوراق على مستوى الشرق الأوسط، أجاب الأيوبي:”أوروبا تغرق في الصراع مع روسيا تدريجياً. ويبدو أن ترامب يدفع بهذا الاتجاه، لأنه يريد تقسيم العالم الى دوائر صراع، وسط شعور عالمي عام بأنه مُستعدّ لتفجير حرب عالمية”.
وختم:”من الصّعب على أوروبا أن تلعب دوراً عميقاً في القضية الفلسطينية والشرق الأوسط اليوم، لأنها عاجزة عن التملُّص من الصراع مع روسيا، وعن التوصُّل الى تسوية معها. وبالتالي، يضع ترامب العالم على صفيح ساخن، على قاعدة فرض السلام بالقوة أو بالحرب. ولكن كيف يمكنه فرض السلام في القضية الفلسطينية، فيما هو يُلغي حق الشعب الفلسطيني بحكم نفسه، ويأتي له بحاكم أجنبي؟ فهذا لا يُحتمَل”.
