
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
لا يمكن أن يجتمع الثوب الديني مع المنبر السياسي في لحظة واحدة دون أن يُصاب أحدهما بالتشوّه.
فرجل الدين الذي يصرّ على حضور المناسبات السياسية بلباسه الرمزي، يضع نفسه في موقع الشبهة قبل أن يضع الآخرين في موضع النقد.
فالثوب الذي صُمِّم ليحمل رسالة روحية وأخلاقية، يتحوّل في هذه اللحظة إلى أداة دعائية تخدم طرفاً سياسياً على حساب قدسية الدين.
رجل الدين مواطن أولاً، من حقه التعبير عن رأيه السياسي. لكن حين يختار الانخراط في الحياة العامة بلباسه الديني، فإنه لا يعبّر عن نفسه فحسب، بل يورّط الدين كلّه في صراع لا شأن له به.
وهنا يبدأ الابتذال: القداسة تتحوّل إلى وسيلة نفوذ، والموقف الروحي يغدو رهينة للحسابات الحزبية، فيفقد رجل الدين موقعه الأخلاقي الجامع، ويُنظر إليه كأداة أيديولوجية لا كمرشد روحي.
الدين والسياسة بين البراغماتية والنفاق:
من يتأمّل في المشهد السياسي الراهن، يكتشف أنّ العلاقة بين الدين والسياسة باتت محكومة بالبراغماتية والازدواجية.
المصالح تُقدَّم على المبادئ، والقيم الدينية تتحوّل إلى أداة للتسويق الحزبي والهيمنة السياسية.
والسؤال الجوهري يبقى: هل يستطيع الدين أن يحافظ على قدسيته أمام شهية السياسيين ورجال الدين المتحزّبين؟
منبر القيم أم منبر الأيديولوجيا؟
الفارق كبير بين منبر يذكّر بالقيم الروحية، وبين منبر يوظّف الدين لتسويق أجندة حزبية.
في اللحظة التي يُختزل فيها الدين إلى أداة أيديولوجية، يتحوّل إلى وقود للانقسام بدل أن يكون جسراً للوحدة.
والتجارب العالمية والعربية، من إيران إلى أميركا، أثبتت أن الصراعات في جوهرها ليست دينية، بل سياسية قائمة على المصالح والهيمنة، حيث يُستخدم الدين كوسيلة تعبئة وتحريض.
الحالة اللبنانية الطائفية كواجهة:
لبنان يقدّم المثال الأوضح على استغلال الدين. حرب أهلية استمرت خمسة عشر عاماً لم تكن حرباً عقائدية، بل صراع مصالح غُلّف بالطائفية لتوزيع السلطة والمغانم. ووجدت الأحزاب في رجال الدين أدوات فعّالة لتبرير خياراتها وإضفاء الشرعية عليها.
الحضور المثير للجدل، والمال والسياسة يصنعان نفاق المنابر
أحدث الأمثلة تجلّت في مشاركة بعض العلماء السنّة في مناسبة إضاءة صخرة الروشة التي نظّمها حزب الله.
هذا الحضور لم يكن بروتوكولياً، بل جاء محمّلاً برسائل سياسية تخدم الحزب. الكلمات التي ألقاها بعضهم بدت أقرب إلى تبريرٍ لاستخدام الدين كغطاء لتكريس النفوذ السياسي.
ولا يُخفي حزب الله أنه ينفق الأموال على سياسيين وأمنيين ورجال دين لتلميع صورته أو تمرير أجنداته، وهكذا يتحوّل بعض العلماء إلى أدوات للتسويق السياسي بدل أن يكونوا قدوة أخلاقية.
التناقض الفاضح أن هؤلاء العلماء الذين يرفعون شعارات الدفاع عن القيم، يقفون جنباً إلى جنب مع حزب يهاجم الدول العربية ولا يتردد في النيل من هيبة رئاسة الحكومة، وكأنهم يباركون إضعاف موقع وطني يُفترض أن يكون موضع إجماع واحترام.
وهذا السلوك يطرح سؤالاً حاداً: هل كان الحضور نابعاً من قناعة دينية صافية أم ثمرة أدوار مدفوعة الثمن؟
الاستياء الشعبي والانعكاسات:
ردود فعل الشارع السنّي كانت غاضبة، معتبرةً أنّ العلماء الذين يشاركون في مناسبات حزب الله يساومون على كرامة الطائفة وقيمها.
والشباب خصوصاً عبّروا عن خيبة أملهم من مؤسسات دينية تحوّلت إلى واجهات حزبية، ما يعمّق الإحباط، ويضعف المرجعية الدينية، ويزيد من هشاشة النسيج المجتمعي.
الدين في جوهره قوة أخلاقية رادعة، والسياسة مجال إدارة المصالح
الخطر يكمن حين يتماهى الدوران في مشهد من النفاق والازدواجية، حين يرفع رجل الدين شعار الفضيلة وهو غارق في وحل السياسة.
المطلوب: إعادة التوازن، الدين لمجاله القيمي، والسياسة لمجالها البراغماتي، دون أن يخطف أحدهما الآخر.
فعندما يفقد الدين قدسيته بفعل الاستخدام السياسي، تفقد السياسة صدقيتها بدورها.
والضحية الأولى هي المجتمع، الذي يتيه بين قدوة مفقودة ورجال دين تحوّلوا إلى أدوات دعاية حزبية، ما يهدّد القيم والأجيال المقبلة معاً.
