د.عادل ديماسي
لم يكن أحد يتوقع أن تعجز أعلى سلطة تنفيذية في البلاد عن فرض أوامرها على القوى الأمنية. ففي حادثة صخرة الروشة، أصدر رئيس الحكومة قراراً واضحاً، لكن ما جرى كان صادماً: الأجهزة الأمنية ضربت القرار عرض الحائط، ولم تنفّذه. برّر البعض هذا الرفض بأن القرار يفتقد إلى المنطق وأن عواقبه ستكون كارثية على لبنان وشعبه، لكن هذا التبرير يفتح الباب أمام أسئلة أعمق: كيف لقوى أمنية أن تضع نفسها في موقع تقييم قرارات السلطة السياسية ثم تقرّر ما إذا كانت ستنفّذها أم لا؟
المبدأ الأهم الذي تُبنى عليه الأجهزة الأمنية في أي دولة هو قاعدة “نفّذ ثم اعترض”. وظيفة الأمن ليست التحليل السياسي ولا الموازنة بين الكلفة والفائدة، بل تنفيذ القرار الصادر عن السلطة الشرعية. أي خرق لهذا التسلسل يضرب مفهوم الدولة في الصميم. صحيح أن الأجهزة الأمنية قد تكون محقّة في تقدير حساسية القرار وخطورته على السلم الأهلي كما كان الحال في حادثة صخرة الروشة، لكن مبدأ ترك حرية التنفيذ أو الرفض بيدها يشكّل كارثة وطنية ويؤدي إلى انهيار السلسلة الهرمية للسلطة.
من هنا أطلقتُ وصف سلوك القوى الأمنية الخاص والشبه المستقل عن التأثير السياسي بـ”الدولة العميقة”، التي يسيطر جهاز المخابرات عليها بشكل كامل ومطلق. لكن ما نعيشه اليوم في لبنان لا يشبه وصف ولا سلوك “الدولة العميقة” بمفهومها الكلاسيكي الموجود في أي دولة أخرى في العالم. ففي الدول الأخرى، تعمل هذه القوى في الظل، بطريقة خفية وسلسة، بعيداً عن أعين الناس، ومستقلة عن أي تأثير سياسي. والخير مثال على وجود “الدولة العميقة” هو في الدولة الأقوى عالمياً، الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قامت دولتها العميقة باغتيال رئيسها جون كينيدي عام 1963 أمام جماهير الشعب ووسائل الإعلام.
أما المثال المحلي، فهو حالة الضابط المعروف في الجيش اللبناني سامي الخطيب، الذي لعب أدواراً سياسية وأمنية بارزة ولُقّب بـ”والي بيروت” في عهد الرئيس سليمان فرنجية (1970 – 1976). كان سامي الخطيب يتمتّع بنفوذ واسع في بيروت من خلال موقعه الأمني وعلاقاته، بحيث كان له دور مؤثر في التعيينات والقرارات وحتى في التوازنات بين الزعامات البيروتية، ما جعله يُعرف شعبياً بهذا اللقب. في ذلك الوقت، كانت “الدولة العميقة” متمثّلة بـ”المكتب الثاني” الذي كان ينتمي إليه سامي الخطيب ويُعدّ من أعمدته، تفرض سيطرة شبه تامة على مفاصل القرارات السياسية والأمنية والعسكرية في البلاد. وقد اطلعت شخصياً على العديد من الأحداث السياسية التي كان للمكتب الثاني الكلمة العليا فيها، لكنني لست بصدد ذكرها نظراً لحساسيتها وحفاظاً على سمعة الجهاز.
في بعض عهود لبنان السابقة، كان للبنان “دولة عميقة” بكل ما للكلمة من معنى، وذلك حين كانت للدولة هيبتها، بغض النظر عمّا إذا كانت هذه الهيبة مبنية على قرارات عادلة ومنصفة، أم على قرارات ظالمة ومجحفة بحق الشعب. شكّل انهيار جهاز المكتب الثاني – الذي نتحفظ على كثير من أعماله لكن لا ننكر في الوقت نفسه دوره في بسط سلطة الدولة واستقرارها وهيبتها – نهايةً لحقبة سيطرة الدولة اللبنانية وهيبتها على أراضيها وشعبها.
لقد شكّلت نهاية الحرب اللبنانية بداية عهد “أمراء الطوائف”، حيث صار لكل أمير طائفة جهازه الأمني الخاص به والموالي له، وبالتالي أصبح للبنان “دول عميقة” عديدة، يتبع كل منها لزعيم طائفي، بدلاً من وجود “دولة عميقة” واحدة كما كان الحال قبل الحرب، والتي كانت تتبع للحاكم الماروني الأوحد، بينما كان رئيس الوزراء يعمل بمثابة “باش كاتب” عنده.
ومع تطور و تعمق النفوذ السوري في لبنان، حرصت دمشق على تقوية سيطرة الشيعة، نظراً لكون المذهب الإثنى عشري والمذهب العلوي يُعتبران متفرعين من نفس الأصل الشيعي. وقد جاءت هذه السيطرة على حساب مختلف الأفرقاء اللبنانيين، وخصوصاً السنة. أما الشريك المسيحي، فقد أضعفته هذه المعادلة، لكنه لم يفقد الكثير من نفوذه نظراً إلى دعمه المباشر من القوى الغربية المسيحية. ومع هذا الواقع الجديد، اضمحلت الدول العميقة العديدة لتبقى دولتان عميقتان فقط: واحدة مسيحية وأخرى شيعية. وهكذا، تغيّر دور رئيس الوزراء السني من “باش كاتب” للرئيس الماروني إلى “كرة بينغ بونغ” يتقاذفها رئيس الجمهورية المسيحي ورئيس مجلس النواب الشيعي. خير مثال على ذلك هو حال رؤساء الحكومات السابقين، من سعد الحريري إلى حسان دياب إلى نجيب ميقاتي، الذين لم يستطيعوا بسط سلطتهم إلا بمباركة مسيحية/شيعية.
لقد كشفت حادثة صخرة الروشة مؤخراً أن عمل “الدولة العميقة” يحدث في وضح النهار، وبشكل فاضح أمام أعين المواطنين ووسائل الإعلام كافة. فإن “الدولة العميقة” اللبنانية لا تعمل في الخفاء إطلاقاً، بل بشكل مكشوف أمام الجميع. وهذا ما يجعلها حالة فريدة من نوعها مقارنة بغيرها من الدول العميقة في العالم، ويضيف هذه الظاهرة إلى قائمة غرائب وعجائب لبنان.
يبقى السؤال: إلى من تتبع “الدولة العميقة” التي كان لها القرار في ما حصل في منطقة الروشة؟ أرى أن القرار كان ثمرة تنسيق بين الدولتين العميقتين، الشيعية والمسيحية، إذ اجتمعتا معا على اعتبار قرار نواف سلام بشأن صخرة الروشة خرقاً لـ”قواعد الاشتباك والصراع” المتفق عليها بين مختلف الأطراف اللبنانية. وبقراره هذا، يكون نواف سلام قد أخلّ بالتوازن الدقيق القائم بينهم لسنوات و عهود عديدة مضت. موقف و قرار نواف سلام رغم كونه غير مدروس و يعكس شخصية غير ملمة بتفاصيل السياسية اللبنانية الدقيقة غير أنه شكل حرج كبير لجميع الفرقاء اللبنانيين و خصوصا للدولتين العميقتين الشيعية و المسيحية معا.
خطورة حادثة الروشة لا تكمن فقط في العصيان الأمني، بل في الصدمة التي تثيرها فكرة احتمال تورط مؤسسات لبنانية رسمية، عسكرية وأمنية، لطالما نُظر إليها على أنها فوق الشبهات. فالشعب اللبناني، رغم يأسه من الطبقة السياسية، ما زال يرى في الجيش والقوى الأمنية رمزاً للوحدة الوطنية وملاذاً أخيراً للاستقرار. إن مجرد طرح احتمال أن تكون هذه المؤسسات نفسها متورطة أو متساهلة مع التجاوزات، يُشكّل هزة وجدانية للبنانيين، قد تفوق بأثرها الأزمات الاقتصادية والسياسية التي عاشوها وما زالوا يعيشونها.
يبقى السؤال الجوهري: هل ما حدث هو تجاوز فردي لضباط أساؤوا لمؤسساتهم، أم أنه قرار مدروس صادر عن قيادات عليا تعكس مواقف دولها العميقة التي تمثلها؟ إذا كان الاحتمال الأول صحيحاً، فالمحاسبة ممكنة والضرر محدود، ويمكن ترميم صورة المؤسسات عبر محاكمات شفافة. أما إذا كان الاحتمال الثاني هو الصحيح، فإننا نكون أمام انهيار كامل للثقة بين المجتمع اللبناني ومؤسساته الأمنية والعسكرية، وهو انهيار شبه لا رجعة فيه.
يبقى الأمل أن تكون الحادثة مجرد تجاوز محدود، وأن يثبت الجيش اللبناني والقوى الأمنية أنهم أوفياء للدولة وللقانون، لا لأية أجندات أخرى. فالمواطن اللبناني قد يتسامح مع الأخطاء الفردية هنا وهناك، لكنه لا يقبل أبداً أن تنهار المؤسسة الوحيدة التي ظلّت في نظره صامدة في محيط واسع من الفساد والانقسام. وإذا تزعزعت الثقة بهذه المؤسسات، فعلى لبنان السلام، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
