
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
من يراقب المشهد اللبناني يدرك بسهولة أنّ اللعبة السياسيّة تقوم على أسلوب واحد متكرر: استفزاز التناقضات المجتمعيّة والطائفية والسياسية، بحيث تبقى الأحزاب ممسكة بالسلطة ولو على حساب انهيار الوطن. فالخطاب السياسي لا يُعنى بإيجاد حلول واقعية لأزمات اللبنانيين، بل يُصاغ لإذكاء العصبيات وتأجيج الغرائز بهدف حرف الأنظار عن جوهر المأساة.
الاستفزاز كسلاح سياسي: صخرة الروشة بين الهوية الوطنية والهيمنة الحزبية
اليوم يتكرر المشهد مع قضية عرض صورة الأمينين العامين لحزب الله، حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، على صخرة الروشة. فبدلاً من التعامل مع هذا المعلم كرمز وطني جامع، جرى تحويله إلى ساحة استفزاز حزبي وتكريس لمشهد الانقسام. الجميع يتناحر في العلن حول “الكرامة” و”المقاومة”، لكن تحت الطاولة هناك اتفاق غير مباشر بين القوى السياسية على استثمار هذه الاستفزازات وصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية. إذ يدرك النواب والأحزاب أنّ أي مواجهة حقيقية مع أزمات الدولة ستكشف عجزهم أو تُضعف مواقعهم، فيلجؤون إلى افتعال أحداث وشعارات شعبوية حتى لو كان الثمن ضرب صورة لبنان الوطنية وتعميق الانهيار.
الاستفزاز كسياسة ممنهجة
هذه الحادثة ليست معزولة عن مسار طويل اعتمدته القوى الحزبية، من تعطيل المؤسسات إلى رفع صور الزعامات على معالم وطنية. يتكرر النمط ذاته بافتعال الاستفزازات لإشغال الرأي العام وإشعال الانقسام الطائفي والسياسي، بينما الهدف حماية مصالح السلطة ومنع أي تغيير جذري. وهكذا يتحوّل الاستفزاز إلى أداة منهجية لإبقاء الوضع القائم، ولو كان الثمن ضرب مفهوم الدولة والانتماء الوطني.
انعكاس على الشارع البيروتي
في بيروت، المدينة التي تعبت من الحروب والانقسامات، أثارت هذه الخطوة موجة غضب واسعة. فصخرة الروشة ليست مجرد صخرة، بل رمز للعاصمة وللبنان أمام العالم. تحويلها إلى لوحة حزبية عُدّ تعدّياً على هوية المدينة وفرضاً لرمزية لا يتفق عليها اللبنانيون. وبدلاً من أن تُستثمر الرموز الوطنية في توحيد الناس حول الدولة، يجري تفريغها من معناها وتحويلها إلى أدوات صراع.
صورة لبنان الخارجية
أما خارج لبنان، فقد عزّزت هذه الحادثة الانطباع بأن الدولة مخطوفة من الأحزاب، وأن مؤسساتها عاجزة عن حماية أبسط معالمها الوطنية. وفي وقت يواجه البلد أزمة اقتصادية غير مسبوقة ويفقد شبابه الأمل في البقاء، يرى المجتمع الدولي في مثل هذه المشاهد دليلاً إضافياً على أنّ لبنان رهينة تجاذبات داخلية تُعطّل أي فرصة للنهوض. وهكذا تتحول الاستفزازات المحلية إلى عامل يُسرّع عزلة لبنان ويُعمّق صورته كدولة غارقة في صراعاتها.
وعود كاذبة ومواطن شريك سلبي
يزيد الصورة قتامة أنّ السياسيين يطلقون وعوداً إنمائية كاذبة، وهم يعلمون – ويعلم المواطن أيضاً – أنها شعارات انتخابية فارغة. ومع ذلك، تنطلي اللعبة كل مرة. فالمواطن الذي يعاني الفقر والبطالة وانعدام الخدمات، يعود ليمنح صوته للطبقة نفسها، مدفوعاً بالوتر الطائفي أو برشوة انتخابية تافهة كزفت طريق أو إضاءة مصباح بلدي. وهكذا تتكرر المسرحية حيث يتواطأ الناخب والمنتخب معاً في إعادة إنتاج الفساد والمحاصصة وتوريث المواقع السياسية، فيما أكثر من 65% من اللبنانيين تحت خط الفقر.
قمة الاستفزاز: حرمان وادّعاء خلاص
إنها قمة الاستفزاز أن تُحرم أكثرية اللبنانيين من أبسط حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، ثم تُقنعهم الطبقة الحاكمة بأن خلاصهم يكمن في بقائها. هذا النهج ليس عشوائياً، بل استراتيجية ممنهجة: اللعب على التناقضات الداخلية، منع المجتمع من التوحّد ضد السلطة، وتفجير الأزمات عند الحاجة لإعادة ضبط التوازن.
الداخل والخارج: لعبة مصالح
الاستفزاز السياسي في لبنان لا ينفصل عن الخارج، فالدول الكبرى والإقليمية تستخدم الملف اللبناني لتقاسم النفوذ وفرض أجنداتها. و”أمراء الحرب” في الداخل ينسجمون مع هذه اللعبة. التغيير بالنسبة لهم يعني سقوط مبررات هيمنتهم، لذلك كلما برزت بوادر توافق داخلي أو تسوية دولية، يسارعون إلى إعادة إشعال الخطاب الطائفي أو حتى الوضع الأمني لقطع الطريق على أي إصلاح.
الرماديون هدف جديد
الأخطر أنّ هذه القوى لم تعد تكتفي بتقسيم المجتمع، بل باتت تصوّب على الفئة التي تحاول البقاء خارج الاستقطاب – أي “الرماديين” – معتبرة أنهم خصوم لأنهم يرفضون الدخول في لعبة الولاءات. هكذا تُغلق كل منافذ الإصلاح ويُدفع المجتمع نحو مزيد من الشرذمة.
احتمال التغيير… رغم كل شيء
مع ذلك، فإنّ لجوء السلطة إلى الاستفزاز الدائم هو بحد ذاته دليل ضعف. فالمجتمع، رغم أزماته، لا يزال يحتفظ بإمكانية التغيير ولو ببطء. والوعي المتنامي لدى اللبنانيين بأنهم ضحايا لعبة محلية – خارجية، ومع تراكم الانهيارات، يفتح الباب أمام ولادة مشهد جديد. لكن ذلك يتطلب كسر الحلقة الجهنمية، والخروج من أسر الطائفية والرشوة الانتخابية، ورفض منح الشرعية لطبقة سياسية لم تعد قادرة إلا على إعادة إنتاج الخراب.
لذلك، إن تكرار مثل هذه الأفعال يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أين يمضي لبنان إذا بقيت القوى السياسية تمارس لعبة الاستفزاز على حساب الوطن؟ فكل حادثة جديدة تكشف هشاشة الدولة وتآكل هيبتها، وكل صمت رسمي يرسّخ شعور المواطنين بأن بلدهم متروك لسطوة الأحزاب. وإذا لم يُكسر هذا النهج، فلبنان مهدّد بأن يفقد ما تبقى من رموزه الوطنية، وأن يغدو وطنًا بلا هوية جامعة، تحكمه الولاءات الضيقة بدل الانتماء إلى الدولة.
