خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
يشهد الشرق الأوسط حالياً مرحلة من التحولات المتسارعة والمعقدة: من الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على قطر، إلى الحروب المتناثرة في غزة ولبنان وسوريا، وتوقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان، وهو حدث مفصلي أعاد رسم معادلة الأمن الإقليمي.
وفي الوقت ذاته، خرج حزب الله بخطاب يدعو إلى الحوار مع الرياض، مما يعكس إدراكه لتحولات عميقة في المشهد الجيوسياسي، حيث تتراجع المظلة الأمريكية تدريجياً لصالح تحالفات جديدة تحمل بُعداً إسلامياً–نووياً وتعيد توزيع أوراق النفوذ في المنطقة.
اتفاقية الدفاع السعودي–الباكستاني: تحالف استراتيجي يتجاوز اللحظة
الاتفاقية الموقعة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لم تكن مجرد رد فعل طارئ على أزمة محددة، بل جاءت نتيجة نحو عقد من النقاشات حول تعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين. أبرز ما في الاتفاقية هو نصها الواضح على أن أي اعتداء على أحد البلدين يُعتبر اعتداءً على الآخر، في صياغة تشبه مادة الدفاع المشترك في الأحلاف الكبرى مثل الناتو.
من خلال هذه الشراكة، تكتسب السعودية مصدراً إضافياً للردع النووي، وتوسع مظلة حمايتها الأمنية بعيداً عن الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة، بينما تحقق مكاسب سياسية عبر تأكيد استقلالية القرار السعودي وتوسيع دائرة الشركاء الإسلاميين.
أما باكستان، فتستفيد من تعزيز شرعيتها الدولية، ومكاسب اقتصادية واستثمارية لدعم اقتصادها المتعثر، فضلاً عن تعزيز موقعها الجيوسياسي كلاعب يمتد دوره من جنوب آسيا إلى قلب الشرق الأوسط.
رؤية نتنياهو للشرق الأوسط: التوسع الإسرائيلي وأجندة القوى الكبرى
في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة هذه التحولات، يتكشف بعد آخر في سياسات إسرائيل تحت قيادة بنيامين نتنياهو. رؤية نتنياهو للشرق الأوسط الجديد تجسيد لطموحات تاريخية لإسرائيل في توسيع نفوذها والسيطرة على الأراضي الفلسطينية، مستندة إلى أيديولوجيا صهيونية تهدف إلى ضم الأراضي المحتلة وتحقيق الأمن القومي الإسرائيلي.
هذه الرؤية، التي تمتد لعقود، لم تختلف جذرياً عن سياسات قادة إسرائيل السابقين مثل ديفيد بن غوريون، إذ تسعى إلى توسيع حدود الدولة على حساب الفلسطينيين. دعمت الولايات المتحدة أهداف إسرائيل التوسعية، في حين أعربت روسيا والصين عن مخاوفهما من أن يؤدي الضم الإسرائيلي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي.
وفق تحليلات إسرائيلية، رؤية نتنياهو تتجاوز مجرد ضم الأراضي الفلسطينية، فهي جزء من خطة أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية. تشمل بناء تحالفات جديدة مع دول عربية في إطار أمني واقتصادي يعزز موقع إسرائيل في المنطقة.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 26 أيلول 2024، عرض نتنياهو خارطتين تظهران الضفة الغربية وقطاع غزة كجزء من إسرائيل، مع تمييز الدول العربية التي تربطها اتفاقيات تطبيع، وكتب على إحداهما كلمة “البركة”، وعلى الأخرى “اللعنة”. هذه الرؤية تتوافق مع “صفقة القرن”، التي اعتبرتها دول عديدة وسيلة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية وتغيير خارطة المنطقة لتشمل أجزاء من الأردن والسعودية ومصر وسوريا ولبنان.
حزب الله بين الانفتاح والقلق
في خضم هذه التحولات، دعا الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إلى الحوار مع السعودية في محاولة لتأمين المصالح ومعالجة المخاوف. تكشف هذه الدعوة عن إدراك الحزب لتغير قواعد اللعبة، إذ لم تعد السعودية اللاعب الذي يمكن مقاطعته أو تحجيمه بضغط إيراني مباشر، بل أصبحت مركزاً لمحاور جديدة تمتد إلى باكستان وربما لاحقاً إلى قوى إسلامية أخرى.
الحزب يواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية هائلة داخل لبنان، ما يجعله أكثر انفتاحاً على أي تسوية تخفف من عزلته. ومع انحسار النفوذ الإيراني في سوريا، يبدو أن حزب الله يدرك أن التوازنات الإقليمية تميل تدريجياً بعيداً عن محوره التقليدي، بعد تقلص النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا.
الخريطة السياسية للمنطقة
مع توقيع الاتفاقية السعودية–الباكستانية وتبدل التوازنات، يمكن رسم ملامح المشهد القادم:
الخليج: أقوى وأكثر استقلالية، والسعودية تقود مرحلة جديدة من الأمن الجماعي الإسلامي بعيداً عن الاعتماد الكامل على واشنطن.
لبنان وسوريا: بعد تقلص النفوذ الإيراني، يفتح المجال أمام تسويات برعاية خليجية–دولية.
إسرائيل: أمام تحديات جديدة في مواجهة خليج أكثر قدرة على الردع، مدعوماً بدولة نووية إسلامية، بينما تواصل أجندتها التوسعية وفق رؤية نتنياهو.
نحو مرحلة أمنية جديدة
اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان ليست خطوة عابرة، بل منعطف استراتيجي يعيد صياغة قواعد الردع والتحالفات في الشرق الأوسط. في المقابل، يواجه حزب الله وإيران واقعاً جديداً، حيث لم تعد الهيمنة السابقة ممكنة بنفس الأدوات. وبينما تحاول طهران التمسك بنفوذها في لبنان وسوريا، تتحرك الرياض على جبهات متعددة: من الحوار إلى الردع النووي غير المباشر، لتؤسس لمرحلة جديدة قوامها: أمن جماعي، حوارات اضطرارية، وتقلص في مساحات النفوذ التقليدي.
إنها لحظة انتقالية بكل المقاييس، قد تعيد رسم وجه المنطقة لعقود قادمة، في ظل صعود التحالفات الجديدة وتصاعد الطموحات الإسرائيلية تحت قيادة نتنياهو، وتشابك مصالح القوى الكبرى بين الشرق والغرب.
