شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د.عبد المحسن الجار الله الخرافي 

عجيب أمر أبناء الكويت الكرام، الذين اعتمدوا البيع بمجرد النية، واعتبروا الكلمة وعد، والوعد واجب التنفيذ والالتزام، ولا يجوز عندهم الحياد عنه أو الرجوع فيه، ومهما كانت الأسباب ومهما كانت العلاقة بالقربى أو الصحبة، ولقد كانت لنا بفضل الله تبارك وتعالى العديد من المواقف الطيبة والجميلة لأهل الكويت الكرام، التي باعوا فيها بالنية، والتي حافظوا من خلالها على السمعة الحسنة، والتي كانت لكلمة «اعتمد»، وكلمة «تم» عندهم ثقل وقيمة كبيرة، حتى أنهما كانتا بمنزلة ميثاق شرف يجب الوفاء به أقوى من العقود الرسمية المحكمة من قبل أفضل المحامين.

واستمراراً لهذه المواقف الطيبة، فقد روى لي شخصياً الأخ الفاضل أحمد سليمان صقر الغنيمان (بوعادل) موقفًا جميلاً عن العم إبراهيم عبدالعزيز الرميح رحمه الله تعالى، والذي يتبين من خلاله كيف كان هذا الرجل أمينًا صادقًا مع نفسه، وافيًا بوعده، ملتزمًا بميثاقه الأخلاقي، وفيه يقول: «كان العم إبراهيم الرميح رحمه الله تعالى يمتلك محلاً تجاريًا في سوق الكويت القديم، يساعده في إدارته ابنه عبدالعزيز، وفي يوم من الأيام أراد الابن عبدالعزيز أن يستقل بعملٍ تجاريٍ خاصٍ عن والده العم إبراهيم الرميح رحمه الله تعالى، حيث طاقات الشباب المتجددة وأفكارهم الجديدة ورغبتهم الدائمة نحو التوسع والانطلاق، من هنا انطلق الابن عبدالعزيز إبراهيم الرميح لتحقيق ذاته وحلمه التجاري الجديد، وشق طريقه نحو هدفه المنشود، وبالفعل استأجر محلاً تجاريًا جديدًا، وبدأ في تزويده بمختلف أنواع البضائع والسلع الغذائية، وفي تلك الأثناء أراد أن يضيف صنف القهوة إلى باقي الأصناف الموجودة في محله الجديد، وكانت القهوة متوفرة في محل ومخزن والده العم إبراهيم الرميح رحمه الله تعالى، فطلب من والده أن يشتري منه كمية من القهوة ليضعها في محله مع باقي الأصناف الموجودة عنده في المحل، لكنه فوجئ برفض والده بيع القهوة له، وقال له: «روح اشترها من فلان»، فرد عليه الابن عبدالعزيز متعجبًا: «كيف أشتريها منه والقهوة متوفرة عندنا بالمخزن؟!»، فرد عليه والده: «فلان اشترى مني الكمية كلها وأعطيته كلمة بذلك، ولا أستطيع أن أبيع كيساً واحداً من القهوة، بعد ما أعطيت الرجل كلمة إن القهوة كلها لحسابه». فرد عليه الابن عبدالعزيز: «ولكنه لم يدفع ثمنها إلى الآن»، فرد عليه والده العم إبراهيم الرميح رحمه الله تعالى: «ولو ما دفع شيء، أنا أعطيته كلمة وما دمت أعطيته كلمة انتهى الأمر عندي، اعتبرهم خلاص بمحله، وهو حر التصرف فيهم، تبي قهوة روح اشترها منه، وحسب السعر الجديد اللي يحدده لك».

إلى هنا انتهى هذا الموقف الجميل، الذي قدّم من خلاله العم إبراهيم الرميح رحمه الله تعالى درسًا تربويًا وأخلاقيًا ونموذجًا رائدًا يحتذى، وأثبت من خلاله كيف يكون التاجر الأمين ثابتًا عند موقفه، ملتزمًا بميثاقه الأخلاقي والمهني، حتى مع أقرب الناس إليه.

فعلى الرغم من أن ابنه عبدالعزيز هو الذي طلب منه أحد الأصناف المتوفرة بالفعل عنده في مخزنه بكميات كبيرة، وعلى الرغم كذلك من كونه لم يقبض ثمن القهوة من التاجر الذي اشتراها منه، وأنه كان مجرد اتفاق شفوي على شراء كمية القهوة المتوفرة عنده كاملة، إلا أنه أثبت بالدليل العملي مدى الأمانة والالتزام والوفاء بالوعد، وغيرها من القيم الأصيلة التي حرص عليها التاجر الكويتي في كويت الماضي، بل إن العم إبراهيم الرميح رحمه الله تعالى قد ألزم نفسه بموجب هذا الاتفاق الشفوي البسيط بتنفيذ هذا الاتفاق بوازعٍ فطريٍ دينيٍ تلقائيٍ، يدعونا إلى التعجب في بعض الأحيان من تلك الأخلاق الفاضلة، التي تميز بها هذا الجيل الفريد عن الأجيال اللاحقة، التي اعتادت توقيع العقود وتوثيقها قبل كل صفقة تجارية، ومع ذلك لم تسلم من اللجوء إلى المحاكم في الحالات الخلافية.

فلله تعالى درهم، هم وأمثالهم من أهل الكويت الطيبين.

شاركها.