شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د. عادل ديماسي

استيقظت صباحًا على ضجيج الاستنكارات التي اجتاحت المقالات السياسية ومقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي. موضوع واحد أشعل النقاش: صورة السيد حسن نصرالله على صخرة الروشة. انقسم الناس بين من أيّد بحماسة، معتبرًا الخطوة تجسيدًا لإنتماء وولاء، وبين من عارض بشدة ورأى فيها تعديًا على حرمة العاصمة و أهلها البيارتة “الأصليين” فيما يتعلق بشخصية جدلية لا تحظى بتوافق جامع على احترامها و تقديرها. قرأت أغلب المقالات بتمعّن، واطلعت على البيانات والتصريحات، كما شاهدت الفيديوهات المنتشرة، غير أن أكثر ما أوقفني وأثار استغرابي كان مقطعًا للحاج محمد خنسا، مسؤول العلاقات المسيحية في حزب الله، بما حمله من لهجة استفزازية ومضمون صادم.

ففي كلماته، أعلن خنسا دون مواربة أن نواب بيروت الحقيقيين هم فقط نواب الثنائي الشيعي، وأن غيرهم لا يُحسب، مضيفًا أن حزبه يملك القوة والقدرة للسيطرة على كل مباني العاصمة وتعليق صور السيد نصرالله على جدرانها. للوهلة الأولى بدت عباراته هجومية ومتعجرفة، بل وخطيرة في دلالاتها. لكن حين تأملت مضمونها أكثر، أدركت أن الرجل لم يتحدث من فراغ، بل من موقع قوة، وبناءً على حقائق قائمة، ومعلومات دقيقة، وواقع يراه الجميع ولا ينكره إلا متغاضٍ أو خائف.

صحيح أن كلامه استفزازي، وربما كان المقصود منه شدّ العصب الحزبي. لكن المأساة تكمن في أنه كلام صادق، صحيح و دقيق. فالواقع أن لا وجود ملموس و محسوس لنواب في بيروت سوى نواب الثنائي الشيعي ذلك لأن النواب السنة في بيروت غارقون في التشتت والتناقض: هذا يرفع شعارات حقوق المرأة والمثلية، ذاك يتغنى بالدولة المدنية وينصب نفسه ملكًا أكثر من الملك، آخر منشغل بأعماله ومصالحه الخاصة، بينما منهم المشغول بتكفير المذاهب الإسلامية الأخرى، و منهم من يغير لونه و كسمه و شكله و جنسه حسبما تتطلبه المرحلة و ذلك فقط لتحقيق الهدف المنشود الا و هو أن يصبح نائب في البرلمان وآخر يحلم ليلًا ونهارًا بكرسي رئاسة الحكومة. في ظل هذا التشرذم والضياع، يصبح كلام الحاج محمد خنسا أقرب إلى الواقع من مجرد استعراض سياسي.

أما حديثه عن النفوذ والقدرة على فرض الصور والشعارات في كل زاوية من زوايا بيروت فهو أيضًا لا يخلو من الصحة. فبيروت مدينة مثقلة بالسلاح و من يملك السلاح يملك القوة، والسلاح بيد من نعرفهم جميعًا. اللافت أيضا أنه عدا عن المناطق الشيعية فإن سلاح الثنائي ينتشر في المناطق السنية فقط بينما يغيب كليًا عن المناطق المسيحية التي تحمي نفسها بسلاحها الخاص الذي يشكل ترجمة لواقعها و هويتها و سياستها الخاصة بها و هنا يبرز السؤال الموجع: أليس العدو الحقيقي لبيئة الحاج محمد موجود في أقصى جنوب لبنان فقط أو أنه موجود أيضا في مناطق عديدة أخرى مثل صيدا و طرابلس و بيروت (المدن السنية اللبنانية) ؟ لماذا إذًا يتكدّس السلاح في شوارع العاصمة بيروت بدل أن يوجّه حيث يجب أن يكون؟

نعم يا حاج محمد، لقد صدقت و بالحق نطقت و لا غبار على كلامك إطلاقا. فالقوة – حين تجتمع مع غياب رجال حقيقيين، أشداء و مخلصين ليقفوا بوجهها – تسمح لصاحبها أن يتكلم كما يشاء ويفعل ما يريد. أنا أسأل نفسي: أين الرجال “الرجال” في بيروت و أنا لا أرى سوى أهل بيروت في معظمهم من الأعضاء المؤسسين و الفاعلين في حزب “النرجيلة والمشاوي”؟

أحب أن أعلمكم يا حاج محمد أن حزب “النرجيلة و المشاوي” البيروتي يقوم بواجباته على أعلى مستوى بينما أنتم و من تبعكم من ثنائي تخطّطون وتعملون ليلًا ونهارًا لتأمين الحاضر والسيطرة على المستقبل في العاصمة بيروت. حتى توقيع رئيس وزراء سابق- الآن فقط أيقنت أنه رحمه الله رجل بريء و بسيط لدرجة السذاجة – على نقل سجلات و نفوس الآلاف المؤلفة من أبناء بيئتكم من قراهم الجنوبية إلى العاصمة بيروت لم يكن بريئًا على الإطلاق؛ لقد كان ترجمة لخطة شيطانية جهنمية مدروسة لتغيير ديموغرافية بيروت وإحكام القبضة عليها لتحكموا العاصمة و تسيطروا على كل مقدراتها و مقوماتها.

مشكلتي، في نهاية المطاف، ليست معكم شخصيًا يا حاج محمد، فكما يقول المثل “الشاطر ما يموت و الشاطر بشطارتو”، وأنتم وبيئتكم أثبتم أنكم أشطر و أذكى في التخطيط وأمهر في التنفيذ. أنتم تخططون و تعملون و تنفذون من أجل كيانكم الحاضر و المستقبل لكم و لبيئتكم و أجيالكم القادمة و نحن بدورنا أيضا منشغلون و لكن الفرق بيننا أننا منشغلون “بالنرجيلة و المشاوي” و بالتخطيط لنهاجر نحن و أولادنا خارج البلاد. مشكلتي ، يا حاج محمد، هي مع بيئتي السنية التي خُدعت مرارًا وتكرارًا بشعار “لبنان لكل أبنائه”، وباعت نفسها بأبخس الأثمان، ولم تدرك حتى الآن حجم قوتها الحقيقية و انها تملك القوى و الشدة و العنفوان لقلب الطاولة على الجميع و إنهاء واقعها الحالي المرير. مشكلتي هي مع بيئة سنية لم تدرك و لم تستوعب حتى الآن إنها هي “الأمة” و أنها إمتداد لمحيط كبير شاسع يدور حولها.

مشكلتي هي مع البيروتي الذي تعود على الخنوع و طأطأة الراس و الإنكسار. مشكلتي هي مع معظم أهل بيروت (و ليس كلهم) المنقسمين إما الى فريق الملتزمين بالتعليمات الصارمة لحزب “النرجيلة و الشاوي” خصوصا في يوم الإنتخابات النيابية أو إلى فريق المتعاقسين، البائسين و ضعفاء النفوس الذين يبيعون أصواتهم و بالتالي أنفسهم و عائلاتهم و بيئتهم إلى من يدفع أكثر و مهما كان الثمن المدفوع فإنه بخس و رخيص جدا مقارنة بالخسارة التي لحقتهم.

أما الشريك المسيحي في الوطن، فكان واضح وصريح، منذ البداية لم يراوغ بل كان مباشر بطرحه و ثابت على موقفه: “نريد لبنان مسيحي الهوية تماما مثل الهوية التي من أجلها نشىء و تم تأسيسه أو نريد التقسيم”.

أما أنا، فأقول أنني عربي بيروتي مسلم سني، فخور بديني و مذهبي و عاصمتي. أحب و أدعم أي مقاومة تتصدى للعدو الصهيوني لأن موقفي هذا يعد تعبير عن قناعة إنسانية و تطبيق لأحكام شرعية لديني الإسلامي الحنيف، لكن دعمي لها لا يعني أن أقبل أن تُحتل مدينتي المحروسة بيروت أو أن تُفرض عليّ قوانين وهوية لا تمت إلى هويتي بصلة خصوصا من جهات تدعي أنها هي تملك حصرية المقاومة بينما المقاومة هي عبارة عن حركة شمولية جامعة تتعداها و تتخطاها بمراحل.

 

إن دعمي لمقاومة ضد العدو الصهيوني لا يعني قبولي أن أسمح لثنائي شيعي من خارج بيروت أن يحتل بيروت و يسلبها مني. أهلا و سهلا بجميع اللبنانيين من جميع المناطق اللبنانية في العاصمة بيروت. أهلا و سهلا بكم لتعيشوا و لتعملوا و لترتزقوا و تكسبوا مما تقدمه بيروت من نعم و خيرات و لكن عليكم أن تعلموا أن لبيروت أهلا الأصليين الحقيقيين الذين عاشوا و ترعرعوا في أحضانها لأجيال و أجيال بل و يرجع لبعضهم أصول بيروتية من قرون و بذلك أستحقوا عن جدارة أن يطلق عليهم لقب “بيروتي” تماما كما استحقيتم أنتم أن يطلق عليكم لقب “جنوبي” أو لقب “أهل جبل عامل” فلماذا ترضون لأنفسكم ما تمنعونه عن غيركم ؟.
ختاما، عند تطبيق المثل القائل “إذا كان حبيبك عسل ما تاكلو كللو” نقول لكم أنكم أكلتمونا الى آخر لقمة و لم تشبعوا بعد.

شاركها.