
طارق الحجيري
أطلق الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في توقيت مريب، دعوة إلى فتح صفحة جديدة مع المملكة العربية السعودية، في خطابٍ حاول أن يقدّمه بملامح انفتاحٍ وتعاون. غير أنّ هذه الدعوة، رغم عناوينها الإيجابية، تبقى محكومة بمأزق جوهري يتمثّل بتغييب الدولة اللبنانية، وبقاء قرار الحرب والسلم بيد ميليشيا مسلّحة خارج الشرعية.
سياسة الدولة
المملكة التي رعت اتفاق الطائف، وشكّل حينها ركيزة أساسية لإنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء الدولة، لم تنظر يومًا إلى الميليشيات باعتبارها مدخلًا للاستقرار. بل ثبّتت موقفها على أنّ دعمها للبنان مشروط بوجود مؤسسات رسمية قوية وبحصرية السلاح في يد الجيش والقوى الشرعية. ومن هنا، يبدو خطاب قاسم وكأنّه يتجاهل جوهر الأزمة، فكيف يمكن بناء علاقة طبيعية مع الرياض بينما الحزب يحتكر السلاح ويجرّ لبنان إلى صراعات إقليمية لا شأن له بها؟
السلاح والتعطيل
المفارقة أنّ الحزب، الذي عطّل محطات سياسية مفصلية عبر تعطيل الانتخابات الرئاسية والتحكم بالحكومات والضغط على القضاء، يسعى اليوم إلى الاستثمار في أي انفتاح سعودي ليحوّله إلى رصيد سياسي داخلي له. غير أنّ المملكة لا تتعامل تاريخيًا مع تسويات جانبية مع قوى مسلّحة، بل مع دولٍ بمؤسساتها ودساتيرها.
محاولة كسر العزلة
ما تكشفه هذه الدعوة هو إدراك الحزب المتأخر لحجم عزلته محليًا وإقليميًا ودوليًا، ومحاولته كسرها بخطاب تصالحي لا ينسجم مع ممارساته اليومية. فالسعودية التي دعمت على الدوام وحدة لبنان وسيادته، كانت في الوقت نفسه هدفًا لهجمات الذباب الالكتروني للحزب – وسفهاء شاشاته – وحملاتهم التحريضية، فضلًا عن ارتباطه الكلّي بمحور إيران الذي عمل على تهديد أمن المملكة واستقرارها لسنواتٍ طويلة.
الحل من لبنان
إذا كان الحزب جادًا في أيّ انفتاح، فالبداية تكون من الداخل لا من الخارج. الطريق الطبيعي لأي علاقة متوازنة مع الرياض أو سواها يمرّ حصريًا عبر استعادة الدولة اللبنانية دورها الكامل، وحصر السلاح بيد الشرعية، ورفع يد الحزب عن المؤسسات وخياراتها السيادية. عندها فقط يمكن للبنان أن يطرق أبواب المملكة بثقة وأن يحظى باستجابة حقيقية.
من دون ذلك، ستبقى أي دعوة لفتح صفحة جديدة أقرب إلى مناورة سياسية منها إلى مبادرة وطنية. فالسعودية لا تتعامل مع ميليشيات ولا تعترف بدول الظل، وما لم يقتنع الحزب بأن مستقبل لبنان لا يُبنى إلا بالدولة، سيظل خطابه في مكان وواقع أفعاله في مكان آخر.
