خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
الاستحقاق الانتخابي المزمع إجراؤه في أيار 2026 ليس مجرد موعد دستوري بل محطة حاسمة للاختبار الديمقراطي في لبنان خاصة بعد سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية
ومع اقتراب الانتخابات برزت جدلية اقتراع المغتربين كذريعة رئيسية للتأجيل فيما الحقيقة تشير إلى أن الخلل البنيوي في قانون الانتخاب نفسه يمثل الخطر الأكبر على نزاهة العملية الانتخابية
تأجيل الانتخابات بذريعة المغتربين يشبه التعامل مع ” ورقة صغيرة ” لتغطية مشاكل أكبر وأكثر تأثيراً
أبرزها : تفاوت عدد الاصوات للفوز بين المناطق غياب الكوتا النسائية وإقصاء الشباب وإعادة إنتاج الطائفية في توزيع المقاعد
ذريعة المغتربين :
ناقشت جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 16 أيلول 2025 تعديل قانون الانتخابات مع التركيز على تمكين المغتربين من التصويت
وانسحب وزير العدل احتجاجاً على وجهة نظر رئيس الحكومة نواف سلام باستبدال البطاقة الممغنطة بال «QR CODE»، بعدما بات تقنيا ولوجستيا من الصعب انجاز البطاقة قبل الانتخابات، عندئذ طلب وزير العدل عادل نصار ان يتم ادراج تعديل يقضي باعتماد صيغة 2022 في ما خص اقتراع المغتربين أي تصويتهم لل 128 نائبا،
أما موقف الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر فهو حصر اقتراع المغتربين بستة مقاعد فقط.
هذا الموقف يهدف إلى تقييد تأثير المغتربين على نتائج الانتخابات والحفاظ على التوازنات الداخلية بين القوى السياسية التقليدية،
ورغم أهمية الموضوع ولكن تم تضخيمه سياسياً وبعض القوى تعتبر أي تأخير أو عدم اتفاق حول آلية الاقتراع مبرراً لتأجيل الانتخابات.
ومن المقترحات البديلة أن يصوت المغتربون فقط داخل لبنان أي أن يأتي من يستطيع السفر للإدلاء بصوته ما يفتح الباب أمام تدخلات مالية للسيطرة على أصواتهم.
هذا يقود إلى سيناريو يمكن الأحزاب الكبرى من شراء الأصوات، أو تمويل السفر مقابل التزكية السياسية مما يضعف نزاهة الانتخابات.
لذلك التركيز على هذه القضية، يحجب النقاش عن الإصلاحات الأكثر أهمية في القانون نفسه، والتي تعالج عدم المساواة بين الناخبين في الداخل اللبناني ومنها :
▪︎ التفاوت بين المناطق :
أكبر مظاهر عدم المساواة في الانتخابات اللبنانية هو تفاوت الأصوات المطلوبة للفوز بالمقاعد بين دوائر مختلفة
على سبيل المثال في صيدا كثافة الناخبين العالية تجعل الفوز يتطلب جمع عشرات آلاف الأصوات مع منافسة قوية بين عدة مرشحين من نفس الطائفة أو الحلف السياسي
بينما في حاصبيا صغر حجم الدائرة يسمح للمرشح بالفوز بعدد محدود من الأصوات أحياناً أقل من ألف صوت
أمثلة :
في الانتخابات الأخيرة فاز أحد المرشحين بعدد 79 صوتاً فقط فيما فاز آخرون بأقل من 500 صوت
هذه الأرقام تظهر فجوة هائلة
فصوت الناخب في دائرة صغيرة قد يعادل مئات الأصوات في دائرة كبيرة وهو خرق واضح لمبدأ المساواة الانتخابية
هذا الواقع يعكس أن القانون الانتخابي لا يساوي بين المواطنين ويعطي مزايا غير عادلة لبعض المناطق على حساب أخرى
لذلك التركيز على تصويت المغتربين أو تفاصيل تقنية أخرى يبدو ثانوياً مقارنة بحاجة الإصلاح البنيوي للقانون لضمان أن يكون كل صوت متساوياً في قيمته
أهم الثغرات في القانون الحالي :
▪︎ غياب الكوتا النسائية :
رغم المطالب المستمرة منذ عقود لم تعتمد في لبنان أي كوتا نسائية ملزمة في البرلمان
والتمثيل النسائي لا يتجاوز نسبة ضئيلة وغالباً ما يعتمد على دعم حزبي أو عائلي استثنائي
وغياب الكوتا لا يضر فقط بالنساء بل يؤثر على جودة التمثيل العام حيث تقل برامج السياسات الاجتماعية وتضعف الأصوات المؤيدة لقضايا التعليم والصحة وحماية حقوق الفئات الضعيفة
▪︎ سن الاقتراع :
القانون الحالي يحدد سن الاقتراع عند 21 عاماً بينما تعتمد معظم الديمقراطيات سن 18
هذا القرار يحرم شريحة كبيرة من الشباب من المشاركة وهم فئة حيوية وقادرة على إدخال تغييرات سياسية واجتماعية ملموسة
الشباب غالباً ما يكونون أكثر استعداداً لتحدي الزعامات التقليدية والمطالبة بالإصلاحات البنيوية في الاقتصاد والخدمات العامة
الصوت التفضيلي : من المفترض أن يعزز النسبية لكنه في الواقع يعيد إنتاج العصبيات الطائفية والمذهبية ويقيّد المنافسة على البرامج الوطنية
▪︎ التوزيع الطائفي للمقاعد : يقيد حرية الناخب ويجعل العملية الانتخابية رهينة لهويته المذهبية أكثر من كونه مواطناً متساوياً
▪︎ التمويل واللوجستية : ضعف الموارد لتغطية كل احتياجات الاقتراع بما في ذلك المغتربين يتيح للأحزاب الكبرى الفرصة للهيمنة على العملية الانتخابية
إن التركيز على ذريعة المغتربين لتأجيل الانتخابات يخفي حقيقة أن القانون الانتخابي اللبناني مليء بالثغرات البنيوية من نواب فازوا بأقل من 500 صوت إلى تفاوت الأصوات بين دوائر كبيرة وصغيرة وغياب الكوتا النسائية وإقصاء الشباب
ويظهر بوضوح أن المساواة بين الناخبين غير موجودة
وأي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من معالجة هذه الثغرات الجوهرية لا من تأجيل الانتخابات بذريعة القضايا التقنية
التأجيل يعني تكريس نظام مشوّه بينما الإصرار على إجراء الانتخابات مع إصلاح بنيوي يضع لبنان على طريق الديمقراطية والتمثيل الحقيقي لكل مواطن .
