سراء طراد
في زمن تتكرّر فيه الوجوه التقليدية على الساحة السياسية في عكار، والتي لم تقدّم للمحافظة سوى المزيد من الحرمان والتهميش، يبرز وجه مختلف يمثل بارقة أمل لأبناء المنطقة: الدكتورة جنان عبد القادر، شخصية لا تشبه ما اعتاد العكاريون رؤيته في المشهد السياسي.
على مدى سنوات، اعتادت عكار وجود مرشحين اعتمدوا على المال السياسي والإقطاع لشراء الذمم والأصوات، معظمهم يفتقر إلى الحضور السياسي الفعّال، ويغيب عن القضايا الوطنية الكبرى، فيما تتبدّل مواقفهم بحسب المصالح والظروف. بعض النواب السابقين يحاولون العودة إلى المشهد رغم أدائهم الضعيف وتهم الفساد التي تلاحقهم، وآخرون يعجزون حتى عن إلقاء خطاب واضح تحت قبة البرلمان. وهناك من ارتبط بالنظام السوري أو بمحور الممانعة، قبل أن يحاول تبديل ولاءاته لمجاراة التحولات الإقليمية وحماية مصالحه. فيما يجد نواب آخرون أنفسهم بلا حاضنة سياسية أو خارجية، فيلجأون إلى بث الدعايات الإعلامية لحفظ ماء الوجه أمام ما تبقى من جمهورهم.
أما الوجوه التي رفعت شعار التغيير، فقد فقدت بدورها مصداقيتها بعدما تحولت إلى مجرد ملحقين ببعض النواب الذين بنوا حضورهم على معاداتهم، مكتفين بخوض معارك افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي عبر السجالات والفضائح، من دون أي رؤية سياسية أو مشروع إنمائي حقيقي لعكار.
في هذه الأجواء المثقلة بالدعايات الكاذبة، وتجارة الأصوات، والتباهي بالمواكب الفاخرة التي لا تقدّم شيئًا للعكاريين، يبرز حضور الدكتورة جنان عبد القادر كخيار مختلف. فهي لم تعلن نيتها الترشح بعد، لكن أداءها يحمل روحًا إصلاحية واضحة. ليست منتمية لأي حزب تقليدي، بل أستاذة جامعية عصامية صنعت نفسها بنفسها، وجمعت بين الخبرة الأكاديمية والعمل المجتمعي والسياسي. تتابع عن قرب هموم الناس اليومية وتسعى لإحداث أثر ملموس في حياتهم، وقد برز نشاطها بشكل خاص خلال الحرب الأخيرة، حيث شمل أبناء المنطقة والنازحين على حد سواء بجهود إغاثية وإنسانية لافتة، بالإضافة إلى إعداد المشاريع لعكار، ومتابعتها مع رئاسة الحكومة ومجلس الإنماء والإعمار وغيرها من مواقع الدولة.
شاركت جنان عبد القادر في ورش العمل الوطنية خلال ثورة تشرين، وتميّزت بتمسكها بالمبادئ السيادية دون أي تلون سياسي. كما تابعت ملفات إنمائية أساسية مثل المياه، التعليم، والبنى التحتية، وساهمت في إعداد مساءلات للحكومات واقتراح قوانين إصلاحية. ما يميزها عن كثير من الطامحين هو أن عملها مستمر ودؤوب، لا يرتبط فقط بالاستحقاقات الانتخابية. وهي لا تبني حضورها على مهاجمة الآخرين، بل على العمل الميداني الهادئ والفاعل. واللافت أنها أول امرأة من عكار تشارك في برنامج وزارة الخارجية الأميركية للزائرين الدوليين للقيادة (IVLP)، أحد أعرق برامج التبادل الدولي، حيث مثلت نواب لبنان.
بغض النظر عن ترشحها من عدمه، يبقى السؤال الأبرز: هل يتجدد وجه الأرض في عكار و تنفض عنها غبارها القديم وتمثل نفسها بأبنائها المتعلمين والفاعلين لتأخذ دورها الحقيقي في هذا الوطن؟ أم سيظل المال السياسي هو المسيطر لتبقى المحافظة على هامش الدولة جغرافيًا وخدماتيًا وسياسيًا؟
رجاء أبناء عكار أن ينتصر العقل والعلم، لا المال السياسي، لتستعيد المحافظة دورها الذي افتقدته منذ استقلال لبنان.
