شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د.عادل ديماسي

يجْمعُ العديدُ من المُحَلِّلينَ السّياسيّينَ على أنّ عمليّةَ طوفانِ الأقصى شَكَّلَت نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ مَحوريّةً في مَسارِ الصِّراعِ العَربيِّ–الإسرائيليِّ. فَبَيْنَما يَرَى البعضُ أنّها تُشَكِّلُ بَدْءَ انهيارِ الكيانِ الإسرائيليِّ، فإنّ أهمِّيَّتَها تَتَجاوَزُ هذا الإطارَ لِتَشْمَلَ البِنْيَةَ الجيوسياسيّةَ في المنطقةِ كُلِّها، وخاصّةً دُوَلَ الخليجِ والشّرقِ الأوسطِ، مع امتدادِ تأثيراتِها إلى مِصرَ وتُركيا.

أبْرَزُ ما كَشَفَهُ طوفانُ الأقصى هو الانكِشافُ الكامِلُ لإسرائيلَ أمامَ الرأيِ العامِّ العالَميِّ. فقد تراجَعَت صورةُ الدّولةِ التي طالَما عُرِضَت على أنّها واحةٌ ديمقراطيّةٌ مُحاطةٌ بِتَهديداتٍ أمنيّةٍ وعَسكريّةٍ من جيرانها العرب المسلمين، لِتَظْهَرَ بَدَلاً من ذلك ككيانٍ يُمارِسُ سياساتِ احتلالٍ في غايةِ العُنصريّةِ والوَحشيّةِ. هذا الانكشافُ لم يَقْتَصِرْ على إسرائيلَ فَحَسْبُ، بل امتدَّ لِيَكْشِفَ محدوديّةَ الدَّوْرِ الأمريكيِّ في حمايةِ حُلفائِه، مَا أضعَفَ مِصداقيّةَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ أمامَ شُعوبِها والمجتمعِ الدَّوليِّ كَكُلٍّ، وأثارَ تَساؤلاتٍ حَولَ مَدى التِزامِها بِالشِّعاراتِ التي طالما تَبَاهَتْ بها: الدّيمقراطيّةُ، الحُرّيّةُ، وحقوقُ الإنسانِ.

مِن هذا المَنظورِ، يُمكِنُ اعتِبارُ طوفانِ الأقصى مِنعَطَفاً هامّاً في مَكانةِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ. لَمْ تَعُدْ قُوَّتُها النّاعِمةُ، المُبْنِيّةُ على التّرويجِ للمبادئِ الأخلاقيّةِ والسّياسيّةِ، قادِرَةً على التّأثيرِ كما كانَت، مَا يُضعِفُ نَفوذَها الدَّوليَّ ويُهَدِّدُ مَوقعَها كقُوَّةٍ عُظمى. هذا التّآكُلُ في صُورتِها يُؤكِّدُ أنّ الشّرعيّةَ الأخلاقيّةَ والسّياسيّةَ أصبَحَت عُنصُراً أساسيّاً لِلحِفاظِ على الهَيْمَنَةِ إلى جانِبِ القُوَّةِ العَسكريّةِ، مَا يَجعَلُ أيَّ اهتِزازٍ في هذه الأسُسِ مُؤَثِّراً على النّظامِ الدَّوليِّ بِرُمَّتِه.

على المُستَوى الإقليميِّ، ساهَمَ الاعتِداءُ الإسرائيليُّ على قَطَرَ – الذي يُعَدُّ جُزْءاً مِن تَداعياتِ طوفانِ الأقصى – في إعادةِ صِياغَةِ المَواقِفِ السّياسيّةِ لِدُوَلِ الخليجِ. فالحِيادُ أو التّطبيعُ الجُزْئيُّ لَمْ يَعُدْ خِياراً سَهْلاً، خُصوصاً مَع تَصاعُدِ التَّوَتُّراتِ الأمنيّةِ وتَراجُعِ الثِّقَةِ بِالدَّوْرِ الأمريكيِّ كَضامِنٍ لِلِاستِقرارِ. كما دَفَعَت الأحداثُ مِصرَ وتُركيا لإعادةِ النَّظَرِ في سِياساتِهِما التَّقليديّةِ، لِتَكونَ أكثَرَ تَوافُقاً مَع واقِعٍ يَتَّسِمُ بِالتَّحَوُّلاتِ السَّريعةِ وعَدَمِ اليَقينِ، مَا يُعيدُ رَسْمَ خَرائِطِ التَّحالُفاتِ الإقليميّةِ بِطَريقَةٍ غَيرِ مُتَوَقَّعَةٍ سابِقاً.

مَا يُمَيِّزُ هذه المَرحَلَةَ هو تَسارُعُ وَتيرَةِ الأحداثِ، مَا يُشيرُ إلى أنّ المِنطَقَةَ أمامَ تَحَوُّلاتٍ جَذريّةٍ يَصعُبُ التَّنَبُّؤُ بِمَداها النِّهائيِّ. فالصِّراعُ لَمْ يَعُدْ مَحصوراً بَيْنَ إسرائيلَ والفِلسطينيّينَ، بَل أصبَحَ عامِلاً مُؤَثِّراً في إعادةِ رَسْمِ العَلاقاتِ الدَّوليّةِ وتَوزيعِ مَوازينِ القُوى الإقليميّةِ والدَّوليّةِ.

مِن مَنظورٍ تَحليليٍّ، يُشَكِّلُ طوفانُ الأقصى لَحظَةً تاريخيّةً كاشِفَةً. فقَد أظهَرَ إسرائيلَ بِمَظهَرِها الحَقيقيِّ، وكَشَفَ هَشاشَةَ التَّحالُفاتِ الأمريكيّةِ مَع دُوَلِ المِنطَقَةِ عِندَما تَتَعَلَّقُ الأُمورُ بِالدِّفاعِ عَنِ الكِيانِ الصُّهيونيِّ ومَصالِحِهِ وأمنِهِ، كما كَشَفَ عَن عَدَمِ التِزامِ أميركا بِالتَّطبيقِ العَمَليِّ على أرضِ الواقِعِ لِأيٍّ مِنَ المَبادِئِ الأساسِيّةِ التي عَلَيها ومِن أجلِها أسِّسَت كِيانها وهُويَّتها كدَولَةٍ دّيمقراطيّةُ، حرة تنشر و تدافع عن حقوقُ الإنسانِ، وأعادَ إلى الوَجهةِ جَدَليَّةَ النُّفوذِ والسَّيطَرَةِ في المِنطَقَةِ. وإذا استمرَّت هذه الاتِّجاهاتُ، فقَد يَكونُ الحَدَثُ بِدايَةً لِمَرحَلَةٍ جَديدةٍ في تاريخِ الشَّرقِ الأوسَطِ، حيثُ تَتَغَيَّرُ قَواعِدُ اللُّعبَةِ وتَتَبَدَّلُ مُعادَلاتُ النُّفوذِ والسِّيادَةِ.

وعَلَيْه، لا يُمكِنُ النَّظَرُ إلى طوفانِ الأقصى كَحَدَثٍ أمنيٍّ أو عَسكريٍّ مَحدودِ التَّأثيرِ، بَل بِاعتِبارِهِ النُّقطَةَ المَحوريّةَ التي فَجَّرَت زِلزالاً سَوفَ تَصِلُ تَرَدُّداتُهُ الجيوسياسيّةُ والأمنيّةُ والعَسكريّةُ إلى جَميعِ القُوَى الإقليميّةِ والعالَميّةِ، إذ إنَّ أيَّ تَغَييراتٍ تُصيبُ أعمِدَةَ ومَبادِئَ نِظامِ دَولَةٍ عُظمى – تُعَدُّ الأقوَى عَسكريّاً واقتِصاديّاً في العالَمِ – مِثلَ أميركا سَتَترُكُ بِلا شَكٍّ تَأثيراتٍ عَديدةً على باقي القُوَى الكُبرى، مِمّا سَوفَ يَستَدعي هذه القُوَى إلى إعادةِ تَرتيبِ مَوازينِها على المُستَوى الإقليميِّ والدَّوليِّ بِأَسرِه.

خِتاماً، إذا كانَت أحداثُ 11 سِبتَمبر تُعتَبَرُ زِلزالاً ضَرَبَ أميركا ووَصَلَت أقوَى تَردُّداتِهِ إلى العالَمِ العَرَبيِّ والإسلاميِّ، فإنَّ طوفانَ الأقصى يُعَدُّ الزّلزالَ الأكبرَ الذي ما زِلنا نَشهَدُ تَوسُّعَ تَردُّداتِهِ لِتَشمَلَ كُلَّ المَشهَدِ الجيوسياسيِّ الإقليميِّ والعالَميِّ.

شاركها.