شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

عارف العبد

شكل العدوان الإسرائيلي عصر يوم الثلاثاء 9 أيلول2025، على العاصمة القطرية الدوحة، حدثاً مدوياً بكل ما للكلمة من معنىً، على مستويات عدة دولية وإقليمية ومحلية لبنانية على وجه الخصوص.

فقد قامت إسرائيل، عملياً، بتنفيذ انقلاب كامل على أغلب التوقعات السياسية والاستراتيجية في المنطقة، لناحية أنها اعتدت على دولة صديقة للولايات المتحدة، تلعب دوراً سلمياً عبر الوساطات والاتصالات، بعلمها، وفي أغلب الأحيان بالتنسيق معها، وفق ما أوضح رئيس الوزراء القطري في حديث له إثر العدوان. 

هذا التطور والعدوان الخطير، الذي قامت به إسرائيل، ستكون له تداعياته على أغلب المستويات، في دول الخليج العربي، ولبنان تحديداً. وعلى وجه الخصوص عبر القمة العربية الإسلامية التي ستنعقد في العاصمة القطرية.

على مستوى دول الخليج، من الطبيعي أن تنصرف أغلب دول الخليج العربي، لدراسة أبعاد ما قامت به إسرائيل من عدوان، واحتمالاته ومعانيه، مع استعراض الاحتمالات الممكنة، في الحاضر والمستقبل، وما يمكن القيام به لمنعه ومواجهته وعدم تكراره. 

السؤال الذي يطرح نفسه، ما الذي يُمكن أن تكون عليه هذه المواقف والأفعال؟ ورد فعل دول الخليج على العدوان الإسرائيلي؟ 

من المرجح، أن تغيرات أساسية ستدخل إلى صلب العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج العربي، والتي قد تظهر خلال الفترة المقبلة. لكن الثابت أن ما جرى يمثل صدمة كبيرة، وبالتالي فإن العلاقة الخليجية الإسرائيلية، لن تعود كما كانت عليه، وبالحرارة نفسها والعمق والتقارب السابق؛ بل الأغلب أن كل دولة ستنصرف إلى التفكير، ودراسة خطورة وأبعاد ما جرى، وما يمكن أن يتبعه.

المؤكَّد أن العلاقة الخليجية الاسرائيلية أصيبت بصدمة قوية، وليس من السهل أن تعود إلى ما كانت عليه في السابق.

أما على المستوى اللبناني الداخلي، فإن هذا العدوان الإسرائيلي على قطر سيصب إعلامياً وسياسياً في خدمة مصلحة منطق حزب الله وإيران تحديداً، لناحية كشف وتأكيد وتثبيت أن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، لا يمكن الركون إلى علاقة آمنة ومتوازنة وسليمة معهما. وأن أميركا تناصر وتدعم إسرائيل وتغض النظر، عن كل تصرفاتها وتحمي منطقها، وما تقوم به وتدافع عنه؛ إذ لا يقبل عاقل أن يصدق أن العدوان تم من دون علم الولايات المتحدة الأميركية المسبق، وسكوتها، وربما موافقتها. 

ما من شك أن الاعتداء الإسرائيلي على الدوحة، يمثل لحظة انطلاق مرحلة جديدة من الحذر والجفاء بين إسرائيل ودول الخليج العربي، التي كانت تنتظر وتشترط الكثير من الخطوات الأميركية الإسرائيلية، لكي تمضي وتتوسع في الاتفاقات والتفاهمات الابراهيمية.

والراهن، أن اسم الدوحة، كان له الأثر الكبير في لبنان، وتحديداً من باب التدخل الإيجابي لمعالجة آثار المشكلات والعلاقة السلبية والعدوانية مع إسرائيل في أكثر من مناسبة.

فقد ساهمت الدوحة سابقاً، في إعادة بناء ما هدمه العدوان الإسرائيلي في لبنان إثر حرب تموز 2006، لناحية إعادة بناء القرى والبلدات الجنوبية المدمرة في أكثر من مكان.

كما أن قطر ودور الدوحة عاد ليذكر ويتكرر ويأخذ مكانه في لبنان، بعد غزوة بيروت التي نفذها حزب الله في الثامن من أيار 2008، عبر اقتحام العاصمة وبعض مناطق الجبل، وهذا ما أسفر عن تنشيط الدور الدبلوماسي والسياسي القطري وتفعيله، عبر التسوية التي أنتجها المسعى القطري، وعرفت باتفاق الدوحة، والذي رسّخ عملياً أول محاولة جدية لتعديل اتفاق الطائف بالممارسة، عبر استحضار صيغة حكومات الوحدة الوطنية وفرضه، والثلث المعطل داخل الحكومة، والذي عاد وانهار أمام التطورات، وأثبت فشله في تلبية متطلبات آلة الحكم في لبنان.

منطق حزب الله، من الطبيعي والمتوقع حالياً، كما قالها الشيخ نعيم قاسم، من الآن وصاعداً: كيف نسلم سلاحنا للدولة، وقد اعتدت إسرائيل على دولة صديقة لأميركا، ومتعاونة معها. فمن يضمن سلامتنا، وأنتم ضعفاء وعاجزون؟

وإذا كان اتفاق الدوحة 2008 وما نتج عنه، قد مثل بداية مرحلة سابقة من الاستقرار في لبنان، فإن مفترق الدوحة بعد عدوان اليوم لناحية كشف التعنت الإسرائيلي والعدوانية الإسرائيلية، المارقة والجشعة، قد يكون سمة المرحلة المقبلة عربياً ولبنانياً، وقد يفتح الباب أمام إعادة النظر في أمور كثيرة، كانت قد انطلقت وبدأ ترسيخها وتثبيتها، وليس آخرها ما بات يعرف بمرحلة حصر السلاح بيد الدولة.

هنا يلح السؤال: هل تجاوز لبنان وفقد هذا الاندفاع وهذه المرحلة، وسقط هذا الهدف وهذا الشعار، بعد أن ضربت إسرائيل بالتقاطع مع أميركا أقرب الأصدقاء لها، عبر الهجوم على قطر، فأعطت حجة قوية للأعداء والخصوم للتنصل من كل الاتفاقات والتفاهمات التي جرت، وكان يمكن أن تجري؟         

شاركها.