مهدي رضا
لم يشهد التاريخ الحديث والمعاصر نظاماً سياسياً أثار الحروب والأزمات وتتمادى في استخدام الممارسات القمعية والإعدامات بحق شعبه، كما هو الحال مع النظام الحاكم في إيران منذ 46 عاماً. هذا النظام الذي أصبح محور اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية العالمية، أثبت أنه يشكل تهديداً مستمراً للأمن والسلام في المنطقة والعالم، ويستغل المشاكل والأزمات الإقليمية والدولية لتحقيق أهدافه المشبوهة.
من الواضح جداً أن الدور السلبي لهذا النظام هو الطاغي، وأن ما عانته شعوب المنطقة لا يرقى إلى مستوى الظلم والإجحاف الذي تعرض له الشعب الإيراني على يد هذا النظام. وفي ظل هذه التحديات المتزايدة، تبرز تظاهرات السادس من سبتمبر في بروكسل كجبهة قوية للتصدي لتدخلات النظام الإيراني، حيث يصدح صوت الشعب الإيراني والمقاومة المنظمة عالياً مطالباً بالتغيير الجذري.
لقد نفذ النظام الإيراني، منذ بداياته، أكبر قدر من الممارسات القمعية التعسفية والإعدامات لضمان عدم وجود أي رفض شعبي ضده، خصوصاً أن الشعب الإيراني كان يتوق للحرية واحترام إرادته بعد خروجه من ربقة نظام الشاه الدكتاتوري. اليوم، يعيش غالبية الشعب الإيراني تحت خط الفقر (80%) بسبب مخططات هذا النظام وسياساته القمعية التي دفعت بهم إلى أربع انتفاضات شعبية متتالية.
هذه الانتفاضات دليل قاطع على أن الشعب قد ضاق ذرعاً بالنظام ويريد الخلاص منه بأي ثمن. هذا الواقع الداخلي المتأزم يمنح تظاهرات بروكسل بعداً إضافياً، إذ أنها تعكس إرادة شعبية عارمة تتجاوز الحدود الجغرافية.
إن الخط العام للسياسات المختلفة للنظام الإيراني، القائم على نظرية ولاية الفقيه المتطرفة، تسبب ويتسبب في إلحاق الأضرار ببلدان المنطقة وبالمصالح الدولية فيها، بل وتجاوزت أضراره حدود المنطقة إلى سائر أرجاء العالم. ومن الأمثلة البارزة على ذلك محاولاته الأخيرة تعزيز نفوذه في لبنان والعراق من خلال زيارة علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي وشخصية أمنية وسياسية رئيسية في النظام، إلى بيروت وبغداد في أغسطس 2025. هذه الزيارة، التي تستغل صورة لاريجاني كشخصية “معتدلة نسبياً”، تهدف في حقيقتها إلى تعزيز سيطرة النظام على لبنان عبر حزب الله، وفي العراق عبر الحشد الشعبي، وسط تنامي الدعوات اللبنانية لنزع سلاح حزب الله ورفض التدخلات الإيرانية، كما أكدت تصريحات الرئيس اللبناني جوزف عون والحكومة اللبنانية. هذا التدخل الصارخ يستدعي رداً دولياً موحداً، وهو ما سعت تظاهرات بروكسل إلى تحقيقه.
من الواضح جداً أن هناك العديد من الجبهات التي تقف بوجه هذا النظام وتسعى إلى درء شره وعدوانيته. تشمل هذه الجبهات، الجبهة الدولية ضد سعيه لحيازة السلاح النووي، والجبهة الإقليمية والدولية ضد تصديره للإرهاب وإثارته للحروب والأزمات، وجبهة حقوق الإنسان الرافضة لانتهاكاته المتواصلة. ورغم أن هذه الجبهات قد تشهد هدوءاً مؤقتاً أو تغييرات نتيجة لمناورات النظام وتمويهه، إلا أن الجبهة التي لا يمكن أبداً أن تهدأ ضد النظام وتبقى ساخنة بوجهه هي جبهة الشعب الإيراني. هذه الجبهة لن تهدأ إلا بعد أن تجعل النظام يذوق من نفس الكأس الذي ذاقه نظام الشاه عام 1979.
تظاهرات السادس من سبتمبر في بروكسل، جاءت لتعزز هذه الجبهة الداخلية والخارجية، مؤكدة على أن المقاومة المنظمة تمثل البديل الديمقراطي والحل الحقيقي للأزمة الإيرانية.
لقد أثبتت تظاهرات بروكسل، التي ضمت عشرات الآلاف من الإيرانيين من مختلف أنحاء أوروبا، أنها ليست مجرد تجمع احتجاجي، بل هي استعراض قوة للبديل الديمقراطي الذي تقوده المقاومة الإيرانية. هذه التظاهرات، التي حظيت باهتمام إعلامي ودولي واسع، أكدت أن “الخيار الثالث” – أي نضال الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة – هو السبيل الوحيد لإسقاط النظام وتحقيق التغيير. لقد شدد المتحدثون من شخصيات سياسية دولية بارزة، مثل نائب الرئيس الأمريكي الأسبق مايك بنس، على دعمهم لنضال الشعب الإيراني من أجل الحرية والديمقراطية، مؤكدين أن المقاومة المنظمة بقيادة السيدة مريم رجوي هي البديل الوحيد للنظام القائم.
شهذا التجمع، الذي يمثل قمة جبل الجليد لانتفاضة داخلية متواصلة، يرسل رسالة واضحة من طهران إلى بيروت ومن كل بقعة تعاني من تدخلات النظام: زمن الصمت قد ولى، ووقت التغيير قد حان، والمقاومة هي الجبهة الأقوى والأكثر استدامة ضد “مشروع تدمير الأوطان”.
