شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

خالد خشفة
محلل وباحث سياسي

 

لبنان على مفترق مصيري :

يقف لبنان اليوم أمام لحظة فارقة بين دولة تحاول فرض سيادتها عبر سلاح شرعي بيد الجيش وبين مقاومة فقدت بوصلة الانتصار في ظلّ غياب أي حلّ اقتصادي يلوح في الأفق وعجز عن ردع الاعتداءات الإسرائيلية.
المواطن الجنوبي يعيش الذلّ اليومي إلى درجة أنّ طائرة مسيّرة إسرائيلية استجوبت سيدة لبنانية وهي تنظّف منزلها وطلبت منها أن “ تشطف ” أمامها !
فأي انتصار هذا الذي يُسوَّق له ؟

خطة الجيش لحصر السلاح :

في هذا السياق برزت خطة الجيش اللبناني لحصر السلاح جنوب الليطاني والتي لاقت دعماً أميركياً مباشراً فالجيش بات بعد ثلاث جلسات حكومية متتالية يمتلك صلاحيات التدخل الميداني دون الحاجة لإذن مسبق من السلطة السياسية بما يتيح له ضبط أي سلاح ومصادرته وتنفيذ عمليات تفتيش مباغتة داخل القرى والبلدات
الجيش اللبناني أنجز نحو 80 في المئة من مهمته في الجنوب
أولاً من خلال الانتشار
وثانياً من خلال دخول مواقع ومخازن للحزب أخليت خلال الحرب الإسرائيلية.
وصادر أسلحة وقدم العديد من الشهداء واثبت قدرة الدولة على الإمساك بزمام المبادرة أمام المجتمعين الدولي والعربي
لكن الجيش لا يستطيع إكمال مهمته جنوباً ما لم توقِّف إسرائيل اعتداءاتها وتنسحب.

زيارة أورتاغوس ولجنة الإشراف على وقف النار :

تزامناً مع جلسة الحكومة جاءت زيارة مورغان أورتاغوس وقائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الجنرال براد أوفر إلى بيروت لتؤكد أنّ الملف اللبناني حاضر بقوة في واشنطن وقد أنهى الوفد الأميركي جولته في الجنوب وأبدى في ختامها رضاه الكامل عن خطة الجيش معتبراً أنّ ملف سحب السلاح جنوب الليطاني بات منجزاً.
ما سيعزز قدرة الجيش على ضبط الحدود ويُخفف في المقابل من الذرائع الإسرائيلية لاستمرار اعتداءاتها.

سلوك القيادة الوسطى للجيش الأمريكي يعكس عقلية البنتاغون العملية مركّزاً على التنفيذ الواقعي والنتائج الميدانية
هذا النهج ساعد الجيش اللبناني على البقاء مؤسسة مستقرة وتطبيق قرار حصر السلاح بفعالية بعيداً عن الانخراط في الصراعات السياسية الداخلية.

السيادة لا تُستعاد إلا عبر الجيش :

لقد أصبح واضحاً أنّ استعادة السيادة لا تمرّ عبر الميليشيات ولا عبر الشعارات بل عبر الجيش حصراً باعتباره المؤسسة الوطنية الجامعة الوحيدة القادرة على الدفاع عن الحدود وردع العدوان وأي بديل عن هذا المسار لا يعني سوى استمرار الفوضى وضياع الدولة.

السلاح الإلهي بعهدة الجيش :

قرار الحكومة كان حاسماً فالسلاح الذي وُصف يوماً بـ“ الإلهي” أصبح بيد الجيش
البيان الوزاري وخطاب القسم لم يتركا مجالاً للتأويل وبرز هنا موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي رفض تحريك الشارع ضد الحكومة مفضّلاً التسوية عبر عدم فرض جدول زمني صارم ما سمح للثنائي الشيعي بتجميد تحفظاته ريثما تتضح مواقف واشنطن وضغوطها على إسرائيل للانسحاب من الجنوب.

خطر الفوضى والأبعاد الإقليمية :

ورغم أنّ حصر السلاح أصبح بيد الجيش ولكنه لن يكتمل من دون تجفيف منابع التمويل غير الشرعي
إلا أنّ التحدي الأكبر يبقى سياسياً وعقائدياً مع تمسك حزب الله بسلاحه المرتبط بالمشروع الإيراني هذا التشبث يضع لبنان أمام خطر الفوضى وربما الحرب الأهلية خصوصاً بعد تفويض الجيش في جلسة 5 أيلول بتنفيذ خطة حصر السلاح التي أقرت أساساً في 5 آب
في المقابل تبقى إسرائيل على أهبة الاستعداد لاستئناف الحرب في أي لحظة ضمن مشهد إقليمي يشهد انحساراً متزايداً للدور الإيراني في لبنان والعراق في إطار استراتيجية دولية أوسع لكسر المشروع الإيراني.

المجهول يقترب والجيش هو الخيار الأخير :

هكذا يجد لبنان نفسه عالقاً بين “ اللاانتصار ” و” اللاخيار ”
▪︎ مقاومة لم تعد قادرة على حماية الناس
▪︎ اقتصاد منهك
▪︎ وسيادة منقوصة
وفي ظلّ هذا المأزق يبقى الجيش الأمل الأخير لتثبيت سيادة الدولة واستعادة ثقة المجتمع الدولي

وأي تراجع عن هذا المسار فلن يعني سوى انزلاق لبنان إلى فوضى شاملة وربما إعادة عقارب الساعة إلى مشهد الحروب الداخلية
إنّه خيار وجودي لا يحتمل المساومة
فإما دولة بجيش واحد أو لا دولة على الإطلاق .

شاركها.