شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

عبد المنعم يوسف

في بلدٍ يعجز حتى عن جمع نفاياته اليومية من الشوارع وإدارة نفاياته الصلبة منذ عشرات السنين، أو تأمين أبسط حقوق مواطنيه، قررت الحكومة اللبنانية أن تُبدع مجددًا، وأن تفاجئ الكَوْن، دءا بتخييب أمل الدولة الفرنسية التي تعيش معها تحت سقف واحد وتنام معها على فراشٍ واحد في “البيئة”؛ للاسف فرنسا بلد حقوق الإنسان لم تنفع “البيئة” مفاجآت مخيبة ومحبطة ومقرفة.

لكن هذه المرة جاءت “المفاجآت السوداء المخجلة” على حساب أضعف فئات المجتمع اللبناني وأكثرها احتياجًا: أقصد “أصحاب الحاجات الخاصة والمرضى والمعوقون”.

فكأن همومهم ومعاناتهم اليومية لا تكفي، فها هي السلطة تضيف insult to injury عبر سياسات تفصيلية على قياس الإقصاء، تضمّنتها آليات التوظيف في المناصب الرسمية العليا للدولة، مُعلنة صراحة: “أنتم خارج اللعبة”.

بكل فجاجة ووقاحة وظلم، وخلسة عن أعين وآذان وزير الإعلام ووسائل الإعلام  على اختلافها وجمعيات المجتمع المدني وعلماء الدين (من كل الطوائف الذين يزورهم وزير ال (OMSAR) والأطباء وقضاة مجلس شورى الدولة، قامت وزارة الدولة اللبنانية للتنمية الإدارية، بالتنسيق والاتفاق مع الوزارات المعنية المتزوجة مع فرنسا ام مع غيرها ومع السلطة التنفيذية الممثلة بمجلس الوزراء، بتهريب شرط ضمن “الشروط العامة والخاصة للتعيين” لا يمت الى الحضارة الإنسانية الحالية باية صلة. شرط بالشكل الحرفي التالي :

الشروط العامة والخاصة للتعيين :
يشترط في كل من رئيس مجلس الإدارة – مدير عام المؤسسة والعُضْوَيَن المتفرغَيْن :

١- …
٢- ان يكون خالياً من الأمراض والعاهات التي تحول دون قيامه بعمله، وعليه أن يُبْرِز شهادة من اللجنة الطبية الرسمية إثباتا لذلك.

أي عبقرية إدارية هذه التي ترى أنّ من يعاني إعاقة جسدية أو مرضًا مزمنًا لا يصلح لخدمة وطنٍ يعاني من عاهة سياسية مزمنة؟

أي منطق أعوج يجعل من فاقد البصر أو السمع “خطرًا على المنصب”، بينما لا يُشكّل السياسي الفاسد، المتخم بالفضائح والسرقات، أي خطر يُذكر ؟

والأجمل – أو بالأحرى، الأقبح – أن هذه “المبتكرات الحكومية” تأتي في تحدٍّ مباشر وصريح لـ القانون رقم ٢٢٠ الصادر في عام ٢٠٠٠، ذاك القانون الذي لم يُسنّ من باب الترف، بل لإقرار حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وضمان اندماجهم.

والأسوأ ان خذه الشروط تنسف مهام وأهداف الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين، التي أُنشئت لتكون حصنًا لحقوق هذه الفئة، فإذا بها تُفرغ من مضمونها وكأنها “ديكور إداري” للتجميل فقط.

والوقاحة في هذا المضمار لا تقبل ان تكون وحيدة في احتقار اللبنانيين وعقولهم، بل اصطحبت معها أعلى نسب الإستغباء والتذاكي والتشاطر.

إذ خرجت علينا وعليهم وزيرة الشؤون الاجتماعية السيدة حنين السيد في مؤتمر صحافي عقد في مبنى الوزارة بتاريخ ٢٧ آب ٢٠٢٥ لتقول علنا :”إن هذا الملف (المقصود ملف أصحاب الحاجات الخاصة والمعوقين) لم يعد شأنًا قطاعيًا محدودًا، بل يشكّل ركيزة أساسية في الرؤية الوطنية لبناء شبكة حماية اجتماعية شاملة ترتكز على العدالة والمساواة وصون الكرامة الإنسانية”.

وأعلنت السيد أن الوزارة، بالشراكة مع “الإسكوا” وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وبالتعاون مع الوزارات المعنية، تعمل على وضع استراتيجية وطنية شاملة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تُترجم التزامات لبنان بعد توقيعه على الاتفاقية الدولية ذات الصلة في نيسان الماضي.

كما وأكدت الوزيرة حنين السيد (بجدية او بسخرية، لا نعلم !!؟؟) على إعادة تفعيل الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين من خلال إجراء انتخابات في كانون الثاني المقبل، بعد توقف دام أكثر من ست سنوات، الأمر الذي “يعيد للأشخاص ذوي الإعاقة حقهم الطبيعي في المراقبة والمشاركة الفعلية في رسم السياسات العامة”.

هل تقرأ الوزيرة السيد ذاتها المذكورة أعلاه إعلانات الترشيح للوظائف العليا للدولة اللبنانية التي ينشرها موقع وزارة الدولة للتنمية الإدارية (OMSAR) ؟

واحدة من اثنتين :

١- إما أن هذه الوزيرة لا تحسن قراءة اللغة العربية باللهجة اللبنانية،

٢- إما انها لا تملك لا قلبا ولا عقلا ولا مشاعرا. وإلاَّ، فقد كانت ماتت فورا بالسكتة القلبية في اللحظة الأولى بعد قراءة اي إعلان للترشيح.

 

إنها مهزلة مكتملة الأركان: دولة تصادر حق المعوقين في العمل والمشاركة بحجة عجزهم، بينما العجز الحقيقي يكمن في مؤسساتها المشلولة وحكومتها العاجزة عن أبسط الإصلاحات.
مأساة تتحول إلى فضيحة، وفضيحة ترتقي إلى أن تكون إهانة جماعية للقانون وللعدالة وللإنسان.

ألا يكفي أنّ هذه السلطة فشلت في الاقتصاد والسياسة والخدمات والصحة، لتنتقل الآن إلى الفشل في احترام أبسط حقوق الإنسان؟

أليس من الأجدر أن يُمنَعَ المسؤولون المتخلفون عقليا عن أداء واجباتهم من تولي المناصب، لا أصحاب الإعاقات الجسدية الذين تمنحهم الحياة قوة مضاعفة وعزيمة لا يملكها أكثرية “الأصحاء” في مراكز القرار؟

إن ما يجري يستحق أن يُكتب في سجل التاريخ تحت عنوان: “حكومة تعجز عن خدمة شعبها فتتسلى بإقصاء معوقيها”.

وصمة عار لن تمحوها كل بيانات التبرير، بل لن تزيدها إلا فجاجةً وسخرية.

فلْيتذكّر هؤلاء المسؤولون: أن الإعاقة ليست في الجسد، بل في العقول الضيقة والسياسات العرجاء. وأنّ التاريخ لا يرحم، والشعوب – مهما عانت – تحفظ جيدًا من استهان بها.

الأقسى والأفظع والأكثر نفاقا ونفاقا ونفاقا : أن ايا من سفراء الدولة الراقية من الاتحاد الأوروبي وغير الأوروبي وأمريكا (الذين يتابعون ويتدخلون خطوة بخطوة في ملفات الترشيح وفي المقابلات وفي مقررات التوظيف) لم يجد ضرورة في فضح هذا الأمر، بالرغم من علمهم به، وبالرغم من عدم السماح به في بلدانهم لعدم قانونيته من جهة ولعدم إنسانيته من جهة أخرى.

ربطا : نماذج عن إعلانات ترشيح لوظائف عليا في الدولة اللبنانية، مفتوحة لغاية ٢٠ ايلول ٢٠٢٥. ونماذج عن الشروط الخاصة والعامة للتعيين.


بلهجة أحبابي في شمال افريقيا (يعرفهم جيدا الوزيران غسان سلامة وطارق متري) : الحشومة. والله حشومة.
يا للعار.

شاركها.