فرصة تاريخية لعكار كي تدخل خارطة التنمية
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
يشكّل مطار القليعات ” مطار الرئيس رينه معوض” في عكار حلماً تنموياً واقتصادياً طال انتظاره وها هو يعود اليوم إلى الواجهة من خلال الندوة التي ناقشت أهمية المطار الاقتصادية والتنموية بحضور معالي وزير الأشغال العامة والنقل الأستاذ فايز رسامني إلى جانب رئيس الهيئات الاقتصادية في لبنان وبمشاركة ممثل قائد الجيش وعدد من السادة النواب ورجال الدين ورجال الأعمال ورؤساء البلديات والفعاليات الاجتماعية.
هذه الندوة عكست بوضوح ما للمطار من أهمية كبرى كرافعة إنمائية لعكار ولبنان بأسره ولا يمكن إغفال الدور البارز الذي قامت به بلدية القليعات في إنجاح هذه الندوة وفتح أبواب الدولة على المطار بما جسّد نموذجاً عملياً للتعاون بين الدولة والمجتمع المحلي.
مطار القليعات لم يكن يوماً مجرد منشأة جوية إنه حلم تنموي وفرصة تاريخية لإدخال الشمال اللبناني في خارطة التنمية الوطنية ومع ذلك ظل المشروع محاصراً بالمصالح السياسية والانتماءات الحزبية التي عطّلت تشغيله وجعلته مرآة لخيبات عكار المتكررة.
بين الوعد والخذلان :
منذ أكثر من ثلاثة عقود تعاقبت الحكومات على الإعلان عن إعادة تشغيل مطار القليعات لكن دون ترجمة الوعود إلى واقع ملموس
▪︎ عام 1995 – حكومة الرئيس رفيق الحريري أول إعلان عن التشغيل بقي حبراً على ورق
▪︎ عام 2005 – بعد اغتيال الرئيس الحريري عاد طرح تشعيل مطار القليعات ثم جُمّد بفعل الانقسام السياسي
▪︎ عام 2010 و2014 و2017 و2019 و2021 – كل حكومة طرحت خططاً أو وعوداً اصطدمت بالفيتوات السياسية أو الأزمات الاقتصادية
▪︎ عام 2023 – تجددت المؤتمرات والوعود وسط الأزمة الاقتصادية بلا تنفيذ ملموس
وهكذا صار المطار مرآة لخيبات عكار حيث تتكرر الوعود كل بضع سنوات ثم تُطوى في الأدراج
السياسة والانتماء العقبة الكبرى :
مصادر عديدة تؤكد أن حزب الله لعب دوراً في تعطيل المشروع سواء من خلال التحكم بالمنافذ الحيوية أو ممارسة الضغط السياسي لمنع تشغيل المطار
هذا التعطيل يعكس الصراع السياسي والطائفي في لبنان حيث تُستغل المشاريع الاقتصادية كأداة نفوذ ومناورة استراتيجية
الفرص الاقتصادية والتنموية :
لا يقتصر المطار على كونه منفذاً جوياً موازياً لمطار بيروت بل يمثل رافعة لإعادة وصل لبنان بمحيطه الإقليمي والدولي ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار في الشمال من السياحة إلى التجارة والصناعات الزراعية
أبرز الفرص الاقتصادية :
رفع القدرة التنافسية للبنان شمالاً واستيعاب رحلات الركاب والشحن ما يخفف الضغط عن مطار بيروت بنسبة تصل إلى 30%
خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في القطاعات اللوجستية السياحية والزراعية والصناعية
تعزيز الاستثمارات المحلية والدولية في الشمال وتحفيز النمو الاقتصادي المتوازن خارج بيروت
الجدوى الاقتصادية :
عوائد مالية سنوية تقدّر بمئات ملايين الدولارات من حركة الطيران والشحن
خلق أكثر من 5,000 فرصة عمل مباشرة وآلاف غير مباشرة
تخفيف الضغط عن مطار بيروت بنسبة تصل إلى 30%، ما يساهم في إعادة التوازن الإنمائي بين المناطق
متطلبات النجاح والانطلاق :
نجاح المشروع يتطلب خطة متكاملة تشمل :
▪︎ شبكة طرق وبنى تحتية متكاملة توسيع الأوتوسترادات بين طرابلس–القليعات–الحدود السورية وتأهيل الطرق الداخلية وربط المطار بالقرى والبلدات المجاورة وتأمين خدمات أساسية مثل الكهرباء والمياه والاتصالات
▪︎ منطقة اقتصادية بالقرب من المطار وإنشاء منطقة حرة توفر إعفاءات ضريبية وتشجع على الاستثمار الصناعي والزراعي والخدمات اللوجستية
▪︎ التنسيق الحكومي مع الجانب السوري للاتفاق على مسارات الملاحة الجوية وتعاون أمني ولوجستي لضمان الانفتاح التجاري والسياحي
نداء للعمل من الوعود إلى التنفيذ :
المسؤولية تقع أولاً على مجلس الوزراء برئاسة الرئيس نواف سلام لوضع خطة متكاملة، تشمل :
▪︎ تأهيل البنى التحتية وشبكة الطرق
▪︎ إنشاء المنطقة الاقتصادية الحرة
▪︎ فتح قنوات تنسيق جدي مع الجانب السوري لتأمين حركة الطيران والشحن
لكن المسؤولية لا تقتصر على الحكومة بل تشمل النواب والقيادات السياسية في الشمال لضمان جدول زمني واضح للتنفيذ وعدم الاكتفاء بالشعارات والوعود
مطار القليعات ليس مشروعاً لعكار فقط بل رافعة اقتصادية وتنموية للبنان بأسره إما أن يتحول إلى ورشة وطنية حقيقية تُعيد الثقة وتخلق فرص العمل أو يبقى حلماً مؤجلاً في دوامة السياسة والانتماءات الحزبية الكرة اليوم في ملعب الدولة والقيادات وعلى الرئيس نواف سلام قيادة هذه الورشة الوطنية بما يعكس صورة حكومة فاعلة ومسؤولة أمام شعبها .
