د.رامي فنج
يبدو انسحاب الوزراء الشيعة من جلسة مجلس الوزراء حدثًا متكرّرًا في الشكل، لكنه في الجوهر يطرح سؤالًا أعمق من اللحظة السياسية: ما معنى الميثاقية في نظام لا يستطيع أن يحيا بدونها ولا أن يعمل بها؟
في النص الدستوري، الأمر واضح وبسيط. المادة 65 ترسم الآلية: ثلثان يوفّرون النصاب، وأكثرية تُنتج القرار. هذا ما يكفي في أي دولة حديثة، حيث النصوص هي المرجع الأخير، وما عداها هو جدل سياسي لا يغيّر في شرعية المؤسسات. لكن لبنان، كما علّمنا تاريخه، لا يكتفي بالنصوص. هنا، هناك نصٌّ آخر غير مكتوب، يوازي وربما يتقدّم: “الميثاق الوطني” الذي استقرّ منذ 1943، وتحوّل بعد الطائف إلى قاعدة عرفية صلبة.
الميثاقية تعني أن لا يُقصى مكوّن أساسي من القرار. هي، بمعنى ما، تجسيد لفكرة العيش المشترك التي حملها الدستور في مادته الخامسة والتسعين. لكن ما كان يومًا ضمانة وجودية صار اليوم سلاحًا متحرّكًا: يُشهره هذا الطرف أو ذاك ليمنح نفسه حقّ الفيتو حيث يشاء، وكيفما يشاء. وهنا تكمن خطورة المسار.
فالشرعية الدستورية شيء، والشرعية الميثاقية شيء آخر. الأولى تُقاس بالقانون، والثانية تُقاس بالقبول. قرار بلا وزراء طائفة وازنة نافذٌ دستوريًا، لكنه مكلف سياسيًا: يزرع شعورًا بالغبن ويُضعف إمكان تنفيذه. والعكس صحيح: قرار توافقي بلا سند دستوري قوي قد يُرضي الجميع لكنه يترك مؤسسات الدولة هشةً، أقرب إلى صالون تسويات منها إلى حكومة حكم.
هنا يطلّ المأزق اللبناني المزمن: دولة يجاورها دائمًا “فيتو” جاهز للاستعمال. فتتعطّل القرارات، تتآكل المؤسسات، وتُرحّل المشاكل إلى الخارج بانتظار وسيط أو راعٍ أو تسوية دولية. هكذا يتكوّن عرفٌ موازٍ: أنّ أي طائفة كبرى تستطيع أن تُجمّد العجلة متى شاءت، وأن النصوص لا تحسم، بل تنتظر مباركة الميثاق.
النتيجة المباشرة هي إفراغ السياسة من مضمونها العملي. بدل أن تنشغل الحكومة في السياسات العامة، تُستنزف في إدارة الحضور والغياب. بدل أن تُقاس القرارات بالكلفة والمنفعة، تُقاس بالرمزية والهويّة. وفي النهاية، يخرج المواطن بخلاصة واحدة: أن الدولة ليست سلطة، بل واجهة.
قد يقول قائل إنّ الانسحاب لا يلغي قانونية الجلسة. هذا صحيح، لكنه لا يلغي دلالته. كل انسحاب يضيف سابقة، وكل سابقة تولّد عُرفًا، وكل عُرفٍ يبتلع النص. هنا، يتحوّل “الميثاق” من مظلّة جامعة إلى متاهة مانعة، ومن ضمانة للشراكة إلى ذريعة للتعطيل.
المفارقة أنّ الخوف من التهميش هو ما أنشأ الميثاقية، لكن الإفراط في استعمالها هو ما يُنتج تهميشًا من نوع آخر: تهميش الدولة نفسها. فحين تصبح الشرعية رهينة الرضا الطائفي، تُصبح الدولة بلا مرجع حقيقي. وحين تُستبدل المؤسسات بصفقات اللحظة، يصبح الكيان كله عرضةً للاهتراء.
في العمق، المسألة ليست في انسحاب وزراء اليوم بل في مسار يتكرّس منذ عقود: نظام لا يستطيع أن يحكم بالنص وحده، ولا أن يحيا بالتوافق وحده. المطلوب، إذًا، ليس إلغاء الميثاقية ولا تأليهها، بل تقنينها: أن تُحصر في قضايا وجودية كبرى، أن تُقيَّد بزمن وتعليل، وأن تُدار بآليات واضحة لا بفيتو مفتوح.
من دون ذلك، سيبقى لبنان أسير معادلته المستحيلة: دستور يُعطّل بالعرف، وميثاق يُفرغ بالنزاع، ودولة تتآكل بينهما. وفي كل مرة ينسحب وزير أو يُرفع شعار “الميثاقية”، يتقدّم سؤال واحد لا جواب له بعد: كيف يمكن لوطن أن يعيش في ظلّ نصّين يتنازعان شرعيته، أحدهما مكتوب والآخر مبعثر في خوف الطوائف؟
