خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
يشكّل ملف الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان أحد أبرز التحديات الإنسانية والاجتماعية التي تكشف هشاشة منظومة الحماية والرعاية
فبدلاً من أن يكون البدل النقدي خطوة باتجاه العدالة تحوّل إلى أداة جديدة للتمييز بين فئة وأخرى تحت ذرائع غير مقنعة ما يجعل فئة واسعة من المعوقين عرضة للظلم والتهميش
تناقضات في برنامج البدل النقدي :
منذ إطلاق برنامج البدل النقدي للأشخاص ذوي الإعاقة (NDA) بالشراكة مع الإسكوا وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوزارات المعنية اعتُبر تمويله من موازنة الدولة اللبنانية إنجازاً نوعياً لأنه أعاد المسؤولية إلى الدولة بدل ربطها بالهبات الخارجية ومع إعلان الحكومة عن التوسّع في أيلول ليشمل كبار السن مواليد 1960 وما قبل برزت ثغرة خطيرة :
▪︎ في السابق كان المستفيدون من عمر يوم حتى 30 سنة
▪︎ اليوم انضمت فئة كبار السن
▪︎ لكن بقيت الفئة العمرية بين 30 و60 سنة خارج دائرة الاستفادة رغم أنها الأكثر معاناة من الإعاقة وضغوط الحياة اليومية
فبأي منطق تُمنح فئة عمرية الحق في البدل النقدي وتحرم أخرى ؟
أليست الإعاقة حالة مستمرة لا ترتبط بعمر محدّد ؟
ألا يشكّل ذلك خرقاً لمبدأ العدالة والمساواة الذي يجب أن تقوم عليه أي شبكة حماية اجتماعية ؟
الإعاقة أساس في الرؤية الوطنية :
إن الإعاقة ليست شأناً هامشياً أو تفصيلاً اجتماعياً بل ركيزة أساسية في بناء رؤية وطنية متكاملة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً
العدالة لا تُجزّأ وصون الكرامة الإنسانية لا يتوقف عند حدود العمر وبالتالي فإن حرمان المعوقين بين 30 و60 سنة من البدل النقدي يعكس إما سوء تخطيط إداري أو محاولة لتخفيف الأعباء المالية على حساب شريحة ضعيفة وهو أمر مرفوض أخلاقياً وحقوقياً
ربط المساعدات بالعدالة في العمل :
إلى جانب البدل النقدي المطلوب وضع سياسات عملية لضمان دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل ويجب أن تُربط أي مساعدات أو هبات دولية أو محلية بشرط أساسي :
توظيف نسبة محددة من المعوقين في المؤسسات والشركات المستفيدة
عندها يصبح للمعوق فرصة مزدوجة :
▪︎ التعلم والتأهيل من خلال الدعم والبرامج المتاحة
▪︎ العمل والوظيفة عبر سياسات ملزمة لا تترك مجالًا للتحايل
نحو عدالة شاملة :
لا يمكن للبنان أن يتحدث عن شبكات حماية أو عن تنمية مستدامة فيما يواصل ممارسة تمييز مقنّع بحق الأشخاص ذوي الإعاقة المطلوب تعديل فوري لبرنامج البدل النقدي ليشمل كل الفئات العمرية بلا استثناء وفرض آليات إلزامية لتوظيف المعوقين وحدها هذه الخطوات كفيلة بتحويل الشعارات عن الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية إلى واقع ملموس
فساد يضاعف الظلم :
تجربة برنامج ” أمان “
إلى جانب الظلم اللاحق بالمعوقين برزت فضيحة برنامج ” أمان ” المخصص لدعم العائلات الأكثر فقراً فقد تحوّل هو الآخر إلى مساحة جديدة للفساد والمحسوبيات
تقارير عدّة كشفت أنّ أشخاصاً لا يستحقون استفادوا من أموال البرنامج بغطاء حزبي أو بلدي
في المقابل حُرم آلاف العائلات المستحقة من هذا الدعم ما جعل البرنامج عاجزاً عن تحقيق هدفه الأساسي
دور البلديات والأحزاب في اختيار الأسماء زاد من التسييس والتلاعب بالمعايير بحيث بات الانتماء السياسي يحدد الحق بالدعم بدل الحاجة الإنسانية
من دون إصلاح الرقابة…
كل البرامج محكومة بالفشل
إذا كان برنامج “أمان” قد كشف حجم التلاعب في ملفات الدعم الاجتماعي فإن الحلول باتت واضحة ولا تحتمل التأجيل :
▪︎ إنشاء هيئة رقابة مستقلة تشرف على كل برامج الدعم بعيداً عن نفوذ الأحزاب والبلديات
▪︎ إطلاق قاعدة بيانات شفافة وموحدة تتيح للجهات المانحة والدولة مراقبة كيفية توزيع الأموال وتسمح بالتدقيق العلني
▪︎ اعتماد معايير علمية موحدة للفقر والحاجة عبر وزارة الشؤون الاجتماعية بدل تركها للاستنسابية
▪︎ فرض عقوبات إدارية وقضائية على كل من يثبت تورطه في إدخال أسماء وهمية أو إقصاء مستحقين
بهذه الخطوات يمكن تحويل برامج الدعم من مساحة فساد وتسييس إلى ركيزة فعلية لبناء عدالة اجتماعية تحترم الإنسان أياً كان عمره أو انتماؤه أو إعاقته .
