مهدي رضا
عندما تغرق عاصمة في الظلام، وتتعفن المواد الغذائية في ثلاجاتها، ويضطر أصحاب المتاجر إلى إلقاء عجينة خبزهم في القمامة، فإننا لا نكون أمام مجرد أزمة في قطاع الطاقة، بل نكون شهوداً على شهادة وفاة رسمية لدولة فشلت في توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيها. إن القصص المأساوية التي تخرج من طهران، من صاحب مطعم البيتزا الذي يخسر زبائنه في العتمة، إلى الحلواني الذي يرى منتجاته تذوب في الحر، إلى الجزار الذي يضطر لأخذ لحمه إلى المنزل حتى لا يفسد، ليست مجرد حكايات فردية، بل هي فصول متكاملة في ملحمة انهيار حضاري. هذه ليست أزمة خدمية، بل هي حرب معلنة يشنها نظام الملالي على حياة شعبه، حرب تجعل من الصرخة التي سترتفع في السادس من سبتمبر في بروكسل نداءً ليس فقط من أجل الحرية السياسية، بل من أجل الحق في الحياة نفسها.
تشريح الفشل المتعمد: عندما تُسرق الموارد لتمويل الإرهاب
يحاول النظام أن يختبئ خلف أعذار واهية مثل موجات الحر والجفاف والعقوبات الدولية. لكن الحقيقة، التي يعلمها كل إيراني، هي أن هذه الأزمة ليست قضاءً وقدراً، بل هي نتيجة مباشرة لعقود من الفساد وسوء الإدارة، والأهم من ذلك، نتيجة لسياسة متعمدة تضع أولوية تمويل الميليشيات الإرهابية في الخارج فوق أولوية توفير الكهرباء والماء للمواطنين في الداخل. فكل دولار يُنفق على تسليح الحوثيين في اليمن أو حزب الله في لبنان هو دولار مسروق من ميزانية صيانة شبكات الكهرباء المتهالكة وبناء السدود.
إن افتقار محطات توليد الطاقة للوقود ليس مشكلة تقنية، بل هو قرار سياسي. إنه يعكس فلسفة نظام يرى في بقائه أهم من بقاء شعبه. إن النظام الذي يفضل أن يرى مدنه غارقة في الظلام على أن يقلص ميزانية حروبه العبثية، هو نظام قد فقد كل صلة بالواقع وكل شرعية أخلاقية. إنها المفارقة المأساوية: نظام يدعي امتلاك تكنولوجيا نووية متقدمة، لكنه عاجز عن إبقاء الأضواء مضاءة في مطبخ مواطنيه.
من أزمة معيشية إلى أزمة شرعية
لقد حولت هذه الأزمة معاناة المواطنين اليومية إلى فعل مقاومة سياسي. فصاحب المطعم الذي يتساءل عن جدوى الصمود لم يعد مجرد رجل أعمال، بل أصبح معارضاً سياسياً. والحلواني الذي يندد بعدم انتظام انقطاع التيار لم يعد مجرد حرفي، بل أصبح شاهداً على فشل الدولة. إن هذه الأزمة، بعكس الكثير من القضايا السياسية، تمس الجميع دون استثناء، وتوحد الأمة بأكملها في مواجهة عدو مشترك: النظام الحاكم.
وهذا هو مصدر الرعب الحقيقي للنظام. فهو يدرك أن الغضب الناتج عن العطش والظلام هو أقوى وأكثر خطورة من أي معارضة سياسية. إنه غضب نابع من غريزة البقاء، ولا يمكن قمعه بالوعود الكاذبة أو بالاتهامات بالعمالة للخارج. لقد شهدت إيران في السنوات الأخيرة انتفاضات عنيفة انطلقت شرارتها من أزمة المياه، والنظام يعلم جيداً أن تكرار هذا السيناريو على نطاق وطني هو مسألة وقت لا أكثر.
في مواجهة جمهورية الظلام هذه، تأتي مظاهرة السادس من سبتمبر في بروكسل لتقدم نفسها كجمهورية النور والأمل. إنها ليست مجرد تجمع سياسي، بل هي الرد المباشر على هذه الحرب ضد الحياة. إنها المنصة التي سيتحول فيها أنين أصحاب المتاجر في طهران إلى صوت سياسي عالمي مسموع.
إنها اليوم الذي سيُعلن فيه أن الشعب الإيراني لا يرفض فقط الديكتاتورية السياسية، بل يرفض أيضاً نظاماً حرمه من أبسط حقوقه الإنسانية. والأهم من ذلك، أنها ستقدم البديل العملي لهذا الفشل الحضاري. هذا البديل يتجسد في خطة السيدة مريم رجوي ذات العشر نقاط. هذه الخطة لا تتحدث فقط عن الحريات السياسية، بل تضع “حماية البيئة” و”التنمية الاقتصادية المستدامة” في صلب رؤيتها لإيران المستقبل. إنها رؤية لدولة تستثمر ثرواتها في بناء السدود وتحديث شبكات الكهرباء بدلاً من بناء الصواريخ وتمويل الميليشيات.
الرسالة التي ستنطلق من بروكسل ستكون واضحة كالنور في عز الظلام: لقد أثبت نظام الملالي أنه عدو للحياة نفسها. والحل الوحيد لاستعادة النور والماء والكرامة لإيران يكمن في دعم نضال الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة لإقامة جمهورية ديمقراطية تضع حياة مواطنيها فوق كل اعتبار.
