شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

مهدي رضا

الثورات العظيمة لا تبدأ في يوم واحد، بل هي تتويج لآلاف الأفعال الصغيرة والمتراكمة من الشجاعة والتنظيم والتضحية. وما شهدته المدن الأوروبية الكبرى في الأسابيع الأخيرة ليس مجرد “تحضيرات” لمظاهرة، بل هو أشبه بسيمفونية ديمقراطية تعزفها الجاليات الإيرانية في المنفى، حيث تمثل كل فعالية في كوبنهاغن وهايدلبرغ وهامبورغ نوتة موسيقية مستقلة، لكنها جميعاً تتناغم معاً لتشكل لحناً واحداً قوياً سيهز قلب أوروبا في السادس من سبتمبر في بروكسل. إن هذه التحركات ليست مجرد دعوات للتظاهر، بل هي في جوهرها ممارسة حية للديمقراطية التي يطالب بها الشعب الإيراني. إنها الدليل القاطع على أن المعارضة الإيرانية ليست مجرد مجموعة من الأفراد، بل هي حركة منظمة، حية، ونابضة بالحياة، تمتد جذورها من وحدات المقاومة في الداخل إلى كل عاصمة أوروبية.

من الذاكرة إلى المقاومة: تكريم الماضي لبناء المستقبل

إن اللافت في هذه التحركات هو أنها تبني جسراً قوياً بين ذاكرة الماضي ومتطلبات الحاضر. فالاحتفال بالذكرى الستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في كوبنهاغن وهايدلبرغ ليس مجرد طقس تاريخي، بل هو تأكيد على استمرارية النضال وصمود فكرة الحرية في وجه دكتاتوريتين. إن معارض الصور التي أقيمت لتكريم شهداء الانتفاضة هي تذكير للعالم بأن كل مشارك في مظاهرة بروكسل يحمل معه إرثاً من التضحيات، وأن هذه الحركة لم تولد اليوم، بل هي نتاج ستة عقود من الكفاح المرير.

لكن هذه الفعاليات لا تكتفي بتكريم الماضي، بل هي تخوض معارك الحاضر بضراوة. فالتركيز الشديد على مصير السجناء السياسيين الخمسة الذين تم نقلهم إلى سجن قزل حصار سيئ السمعة، هو تحويل هذه التحركات من مجرد فعاليات رمزية إلى عمليات إنقاذ عاجلة. إنها صرخة موجهة إلى ضمير العالم لإنقاذ أرواح مهددة بالخطر، وتأكيد على أن النضال في الخارج لا ينفصل عن معاناة السجناء في الداخل.

من الإدانة إلى المطالبة بالعمل: تصنيف الحرس الثوري وإنهاء الاسترضاء

لقد تجاوزت هذه التحركات مرحلة الإدانة اللفظية لجرائم النظام، وانتقلت إلى مرحلة المطالبة بإجراءات سياسية ملموسة. ففي شيفيلد وغوتنبرغ، لم يكتفِ المتظاهرون بالتنديد بالإعدامات، بل طالبوا بصوت واحد الحكومات البريطانية والسويدية بتصنيف حرس النظام الإيراني كمنظمة إرهابية وإغلاق سفارات النظام. هذا المطلب ليس مجرد شعار، بل هو جوهر الاستراتيجية الجديدة التي تطرحها المقاومة: لقد انتهى زمن التعامل مع النظام كدولة طبيعية، وحان وقت التعامل معه ككيان إرهابي. إن استمرار حملة “ثلاثاء لا للإعدام” للأسبوع الثامن والأربعين في غوتنبرغ هو دليل على النفس الطويل والمثابرة التي تتمتع بها هذه الحركة، والتي لن تتوقف حتى تحقيق أهدافها.

إن كل هذه الأنشطة المتنوعة، من معارض الصور إلى حملات التوعية والمطالبات السياسية، تصب جميعها في نهر واحد كبير سيتدفق بقوة في شوارع بروكسل في السادس من سبتمبر. لم يعد هذا اليوم مجرد “مظاهرة”، بل أصبح بمثابة المؤتمر العام للشعب الإيراني في المنفى، والمنصة التي ستُعلن فيها المطالب الموحدة للأمة بصوت واحد: وقف فوري للإعدامات، إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، محاسبة قادة النظام على جرائمهم ضد الإنسانية، والأهم من ذلك، الاعتراف الدولي بالحق المشروع للشعب الإيراني في مقاومة الطغيان وإقامة جمهورية ديمقراطية.

الرسالة التي تحملها هذه السيمفونية الأوروبية واضحة: إن الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة لا يرفضان فقط نظام الملالي، بل يملكان أيضاً البديل المنظم، والرؤية الواضحة، والإرادة الصلبة لبناء إيران جديدة. وما سيشهده العالم في بروكسل هو الإعلان الرسمي بأن هذا البديل لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح حقيقة واقعة تستحق دعم كل القوى المحبة للحرية في العالم.

شاركها.