
المحامية مايا صافي
طرابلس، المدينة المتنوعة طائفياً واجتماعياً، تُعد من أكثر المدن اللبنانية حساسية وتعقيداً. فوسط هذا التنوع، تتداخل القضايا المحلية مع الأحداث الإقليمية، مما يجعل من أي نشاط اجتماعي أو ثقافي فعلاً محمّلاً بدلالات تتجاوز اللحظة والمكان.
في هذا السياق، جاء رفض بعض الجماعات الدينية تنظيم حفل غنائي في المدينة، تعاطفاً مع الإبادة الجارية في غزة، ليطرح تساؤلات عميقة: كيف يمكن أن نعبر عن تضامننا مع قضية إنسانية بهذا الحجم، وفي الوقت نفسه نحترم حق الآخرين في التعبير، والاحتفال، ومواصلة الحياة؟
هذه الأسئلة لا تملك إجابات جاهزة، لكنها تتضاعف وطأتها في طرابلس، حيث تتقاطع المشاعر الإنسانية مع الواقع الطائفي، وتُصبح كل مبادرة معرضة للتأويل والتوظيف.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن طرابلس لطالما كانت مدينة قادرة على التعايش، رغم كل التناقضات. فعلى مدى سنوات، حافظت على مساحة مشتركة بين مكوناتها، ومضت في محاولة مستمرة لخلق هوية مدنية تتجاوز الانقسامات، ولو ببطء. هذا التعايش الهش، ولكنه قائم، هو ما ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه، لا المساس به.
ومع أهمية التعبير عن المواقف السياسية والأخلاقية، يجب أن يتم ذلك ضمن الأطر القانونية التي تحمي الأمن والاستقرار، وتحترم حقوق الجميع. الفوضى ليست شكلاً من أشكال التعبير، بل عامل تفتيت للنسيج الاجتماعي، وتأجيج للتوترات، خاصة في بيئة هشة كطرابلس.
فالالتزام بالقانون لا يُضعف التعبير، بل يعززه.
وفي مدينة تتعدد فيها المرجعيات وتتقاطع فيها الولاءات، لا بد من صوت ثالث، يعبر عن التضامن الإنساني دون فرضه، وعن الحق في الفرح دون تعالٍ على الألم.
