شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

خالد خشفة
محلل وباحث سياسي

 

في لبنان اليوم تبدو السيادة الوطنية مجرد شعار على الورق بينما تتصارع القرارات الحكومية مع النفوذ الخارجي والإملاءات الإقليمية
قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة وإعادة الإعمار في الجنوب يُفترض أن يكون خطوة لتعزيز الدولة والتنمية لكنه يواجه جدارا صلبا من إسرائيل وحزب الله وإيران مما يجعل تنفيذه شبه مستحيل

المواقف المتباينة :

▪︎ النفوذ الإيراني والسيادة تحت الإقامة الجبرية
إيران تعتبر أن سلاح حزب الله جزءا من الأمن القومي الإيراني وترفض أي مفاوضات حوله باعتباره شأنا إيرانيا حصريا ما يجعل لبنان رهينة النفوذ الخارجي مما يدل على ضعف الدولة في مواجهة أي مشروع إقليمي يفرض إرادته على القرار اللبناني وينتقص من سيادته

▪︎ إسرائيل أبدت استعدادًا للانسحاب تدريجيًا من الجنوب بشرط تنفيذ نزع السلاح

▪︎ الحكومة بين القرار والتنفيذ المستحيل
الحكومة اللبنانية على الرغم من إصدارها قراراً واضحاً يقضي بحصر السلاح بيد الدولة ونيتها تقديم خطة رسمية في 31 أغسطس لكنها تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية وتفتقر إلى القدرة على التنفيذ بسبب ضعف مؤسسات الدولة وتباين المواقف الداخلية وغلبة منطق القوة على منطق القانون
والواقع يشير إلى أن القرارات الرسمية لا تعكس سوى الطموحات بينما السلطة الفعلية خارج السيطرة

الضغط الأمريكي والاستراتيجية الغير صدامية :

المبعوث الأمريكي توماس براك عبر عن رغبة واشنطن في رؤية لبنان مزدهراً مشيراً إلى أن ذلك يتطلب نزع سلاح حزب الله وأضاف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يود أن يرى لبنان مزدهراً وأن الرؤساء الثلاثة في لبنان يحاولون القيام بذلك
بالمقابل أكد براك أن الولايات المتحدة لا ترغب في نشوب حرب أهلية في لبنان مشيراً إلى أن نزع سلاح حزب الله ليس بالضرورة أن يكون عبر الوسائل العسكرية
وفيما يتعلق بالوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان أشار براك إلى أن إسرائيل أكدت أنها لا ترغب في احتلال لبنان وأنها مستعدة لتقليص وجودها العسكري في المنطقة في حال اتخاذ خطوات بناءة من قبل لبنان

بعد التصريحات الاخيرة ل توماس براك يظهر التغير في الموقف الأمريكي فهو لا يسعى لصدام مباشر مع حزب الله بل محاولة اقناع إسرائيل على التخلي عن شروطها التعجيزية ربط الانسحاب بتسليم سلاح حزب الله للدولة وأعطى وعود بتقديم مساعدة ميدانية لأهل الجنوب ودعم الجيش اللبناني وإطلاق مشروع المنطقة الاقتصادية ودور لدول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية في إعادة الإعمار وتأمين فرصة إقتصادية لضمان عملية نزع السلاح بطريقة غير صدامية مع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني

الزيارة الأميركية بين الأهداف والتحديات :

الهدف الرئيسي من الزيارة تسريع تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله التي تشمل تقديم مساعدات اقتصادية من السعودية وقطر للمجتمعات المتأثرة وتقديم ضمانات أمنية من إسرائيل مقابل انسحابها من جنوب لبنان

أبرز مؤشرات فشل زيارة باراك :

▪︎ رفض حزب الله لخطة نزع السلاح ، حزب الله أعلن صراحة رفضه الكامل لفكرة نزع سلاحه معتبرا أن ذلك يعني فقدان هويته وقدرته الدفاعية

▪︎ تأجيل زيارة باراك إلى الجنوب اللبناني بعد أن كان من المقرر أن يقوم بزيارة إلى بلدات الجنوب اللبناني مثل الخيام وصور إلا أنه ألغى هذه الجولة دون تقديم أسباب واضحة مما أثار تساؤلات حول فعالية مهمته

▪︎ تصريحات باراك حول فشل اتفاق الهدنة الموقع في نوفمبر 2024 مشيرا إلى أن السبب الرئيسي هو رفض حزب الله نزع سلاحه وعدم قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية

▪︎ تصريحات رئيس مجلس النواب نبيه بري وتحذيره باراك من أن مهمته ستفشل إذا لم تلتزم إسرائيل بشروط الهدنة مؤكدا أن أي خطة لا تأخذ بعين الاعتبار التزامات إسرائيل لن تكون قابلة للتنفيذ

▪︎ تأجيل تنفيذ خطة نزع السلاح مما يشير إلى أن لبنان لم يكن مستعدا لتنفيذ الخطة بشكل فوري

زيارة توم باراك إلى لبنان واجهت تحديات كبيرة أبرزها رفض حزب الله لخطة نزع السلاح مما جعل تحقيق أهداف الزيارة أمرا صعبا بالإضافة إلى ذلك الظروف السياسية والضغوط الإقليمية والدولية ساهمت في تعثر هذه المبادرة

هذا التباين يُظهر أن لبنان محاصر بين ضغوط دولية تُلزم الحكومة بالتحرك في اتجاه نزع السلاح
وبين مقاومة داخلية تؤكد على مفهوم المقاومة والمصالح الوطنية-الإقليمية المشتركة مع إيران

هذا الصراع يعقد بشكل كبير مهمة الحكومة اللبنانية في إيجاد حل وسط إذ أن أي خطوة نحو نزع السلاح دون ضمان دعم داخلي وسياسي قد تُفضي إلى أزمات داخلية وربما تصعيد سياسي أو شعبي بينما التباطؤ في التنفيذ يعرض لبنان لضغوط أمريكية وإسرائيلية متزايدة قد تؤثر على إعادة الإعمار وفرص الاستثمار خاصة في الجنوب

باختصار لبنان اليوم أمام معادلة صعبة التوازن بين السيادة الوطنية والحفاظ على السلم الأهلي
وبين قيود إسرائيل وحزب الله وإيران على أي خطوة فعلية

الحل يكمن في موقف حكومي حازم ودعم دولي متوازن وضغط مدروس على إسرائيل للتخلي عن شروطها مع الحفاظ على استقرار الداخل وجعل السيادة اللبنانية محور أي عملية نزع سلاح أو إعادة إعمار
وأي تحرك خاطئ قد يضع البلاد أمام أزمة سياسية وأمنية مزدوجة ويؤخر بشكل كبير أي احتمال للنهوض الاقتصادي أو السياسي

الجنوب اللبناني أمام فرصة نادرة لإطلاق مشاريع اقتصادية من ضمنها المنطقة الاقتصادية ما قد يعيد بعض السيادة العملية للدولة ويعزز التنمية والوظائف والتغلب على العقبات السياسية والأمنية التي يفرضها النفوذ الإيراني وحزب الله
وإلا ستظل السيادة مجرد وهم
بسبب موقف إيران وحزب الله الرافض لأي خطوة لنزع السلاح الذي يعكس استراتيجيتين مترابطتين
▪︎ الأولى تتعلق بتثبيت النفوذ الإيراني في لبنان والمنطقة
▪︎ والثانية تتصل بالمحافظة على قدرة حزب الله العسكرية كوسيلة للردع ضد إسرائيل وهو ما يُعتبر جزءا من مفهوم الأمن القومي الإيراني
في المقابل الولايات المتحدة تربط أي تقدم سياسي أو إعادة إعمار في جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله معتبرة ذلك شرطا أساسيا لاستعادة السيادة اللبنانية الكاملة وضمان استقرار المنطقة .

شاركها.