شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

د.خالد العزي

منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وصعود نظام ولاية الفقيه، بدأت إيران بتوسيع نفوذها في المنطقة العربية من خلال استراتيجية طائفية تستهدف تعميق حضورها السياسي والديني. إيران قدّمت نفسها كمدافع عن قضايا الشعوب المسلمة، لكن هذه الدفاعات كانت تحت مظلة مشروع طائفي يعزز من سلطة النظام الإيراني ويؤسس لولاية الفقيه في العالم الإسلامي. كانت استراتيجيات إيران تعتمد على تعزيز علاقاتها مع القوى الشيعية في المنطقة، خاصة في بلاد الشام والعراق، حيث تزايدت تدخلاتها العسكرية والسياسية بشكل واضح.

لقد عملت إيران على إعادة صياغة معادلات القوة والنفوذ لصالحها من خلال تقديم دعم عسكري وسياسي للميليشيات والجماعات التي تتبنى نفس الأيديولوجية الشيعية، مما جعل القوى العر بية في بلاد الشام والعراق تجد نفسها في موقف صعب ومهمش، مما أثر بشكل كبير على التوازن الطائفي والسياسي في المنطقة.

لبنان: معركة الهوية والنفوذ
لبنان كان أحد الجبهات الرئيسة للصراع بين القوى الطائفية الإقليمية. مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في عام 2005، بدأت مرحلة جديدة من التأثير الإيراني في لبنان، حيث دعم النظام الإيراني حزب الله اللبناني الذي أصبح أداة أساسية لتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة. حزب الله، الذي كان قد أسس في 1982 بدعم من إيران في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، توسع تدريجيًا ليصبح قوة إقليمية تُستخدم لدعم الأهداف الإيرانية في لبنان وسوريا.
في السنوات التي تلت اغتيال الحريري، شهد العرب في لبنان ضغوطًا اجتماعية واقتصادية كبيرة بسبب زيادة تأثير حزب الله المدعوم من إيران، مما أثر على موازين القوى الداخلية وأدى إلى تهميش القوى السنية في البلاد. هذا التوسع الإيراني عبر حزب الله أسهم في تعزيز النفوذ الشيعي في لبنان على حساب التوازن الطائفي، مما جعل لبنان ساحة صراع مستمر بين القوى الإقليمية والدولية.

لبنان: محور حزب الله ودور إيران في التوسع الطائفي

منذ تأسيس حزب الله، أصبح هذا الحزب بمثابة ذراع عسكري قوي لإيران في لبنان. في البداية، كان الحزب يمثل مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، لكن مع مرور الوقت، أصبح له دور أكبر في التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية، بل وانتقل للقتال في سوريا لدعم النظام السوري. هذه التحولات جعلت من حزب الله ليس مجرد حركة مقاومة، بل أداة طائفية إيرانية لتوسيع النفوذ الشيعي في المنطقة.
إيران استطاعت أن تبني علاقة استراتيجية مع حزب الله، حيث كان الحزب بمثابة أداة لتحقيق الأهداف الإيرانية في لبنان والمنطقة، خصوصًا فيما يتعلق بالتمدد الشيعي وتعزيز الهيمنة الإيرانية على محيطها الإقليمي.
اليمن: المشروع الإيراني في قلب الجزيرة العربية
في اليمن، كانت الثورة الحوثية المدعومة من إيران بمثابة نقطة تحول كبرى في الصراع الطائفي في منطقة الخليج العربي. بدأ الحوثيون كمجموعة تطالب بحقوق اجتماعية وسياسية، ولكن سرعان ما تحولت هذه الحركة إلى صراع طائفي بعد أن قدمت إيران دعماً عسكريًا وسياسيًا للحوثيين. هذا الدعم أسهم في تحول الحركة الحوثية إلى قوة مسلحة قوية في اليمن، ما جعل إيران تقترب بشكل متزايد من حدود السعودية.
إيران كانت تسعى إلى توسيع نفوذها في المنطقة الخليجية عبر دعم الحوثيين، حيث جعلت من اليمن ساحة مواجهة مباشرة مع السعودية، التي رأت في هذا التدخل الإيراني تهديدًا لأمنها واستقرارها. كان هذا التدخل نقطة انطلاق للعديد من التوترات الإقليمية التي ساهمت في تصعيد الصراع في الجزيرة العربية.
اليمن: حرب إقليمية على الأرض السنية
في اليمن، لم يكن الصراع مجرد صراع داخلي بين الحوثيين والحكومة اليمنية، بل أصبح ساحة لحرب إقليمية على الأرض السنية. فإيران دعمت الحوثيين في محاولة لتوسيع نفوذها في جنوب شبه الجزيرة العربية، بينما تدخلت السعودية وحلفاؤها لوقف هذا التوسع، معتبرة أن بقاء الحوثيين في السلطة يمثل تهديدًا للأمن القومي في المنطقة.
السعودية شنت حربًا ضد الحوثيين لمحاولة إعادة الحكومة اليمنية الشرعية إلى السلطة. هذا الصراع كان له تبعات كبيرة على الوضع الإقليمي، حيث دخلت القوى الكبرى في المنطقة في مواجهة مباشرة عبر دعم الحوثيين ضد التحالف العربي، مما أضاف مزيدًا من التعقيد للصراع.

سوريا: من القمع إلى الثورة ثم التدمير
سوريا كانت من أكثر البلدان التي تأثرت بالهيمنة الإيرانية. منذ بداية حكم بشار الأسد، كانت سوريا معقلًا للطائفة العلوية التي تحظى بدعم إيران. ومع بداية الاحتجاجات الشعبية في 2011، تحولت سوريا إلى ساحة حرب طائفية بامتياز. النظام السوري قاد حملة دموية ضد المعارضة السنية، مدعومًا من إيران وحزب الله اللبناني.
إيران سعت بكل الطرق للحفاظ على النظام العلوي، معتبرة أن سقوطه يعني فقدانها لنفوذها في المنطقة. التدخل الإيراني في سوريا لم يقتصر على الدعم السياسي، بل شمل أيضًا دعمًا عسكريًا عبر إرسال مستشارين عسكريين وميليشيات شيعية من العراق وأفغانستان إلى جانب قوات النظام السوري. هذا التدخل ساهم في إطالة أمد الحرب الأهلية السورية، مما أفرز مئات الآلاف من القتلى وملايين المهجرين.

سوريا: تحول الصراع إلى حرب طائفية
بحلول عام 2011، أصبح الصراع في سوريا ليس مجرد احتجاجات ضد النظام، بل تحول إلى حرب طائفية بالدرجة الأولى. كان النظام السوري تحت قيادة الأسد يعتبر الثورة تهديدًا وجوديًا له، وبالتالي كان أول من تلقى الدعم الإيراني. هذا الدعم كان شاملًا ويشمل جميع جوانب الدعم العسكري والسياسي، بما في ذلك إرسال مقاتلين من ميليشيات شيعية مختلفة، مثل حزب الله اللبناني.
إيران كانت تدرك أن سقوط الأسد في سوريا يعني فقدانها لتحكم السيطرة على “الهلال الشيعي” الذي يمتد من طهران عبر بغداد إلى دمشق وصولًا إلى بيروت. لذلك، لم تتوانَ عن إرسال كافة أنواع الدعم للنظام السوري، بما في ذلك استخدام الطيران الحربي الروسي لدعم العمليات العسكرية.

إعادة بناء الهيبة: الأمل العربي في سورية
بعد سنوات من الحرب والدمار، بدأت الدول العربية، خاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج، في البحث عن سبل لإعادة الأمن والاستقرار في بلاد الشام. إحدى المحطات الرئيسية في هذه العملية كانت محاولات لاستعادة النظام السني في سوريا. وبالرغم من تعقيدات الوضع هناك، كانت هناك جهود عربية لتأمين عودة العرب السنة إلى المعادلة السياسية في سوريا، بعد أن كانت البلاد تحت هيمنة النظام العلوي المدعوم من إيران.
عادت سوريا إلى الساحة السياسية الإقليمية بعد سنوات من التدهور، وهذه المرة كان الهدف هو استعادة توازن القوى، وخاصة في ظل الصراع السني الشيعي المستمر.

العراق: الخلافة المفقودة في ظل الهيمنة الإيرانية
في العراق، بعد سقوط صدام حسين في 2003، تغيرت المعادلة السياسية بشكل جذري. ميليشيات شيعية مدعومة من إيران بدأت في السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد. العرب السنة، الذين كانوا يشكلون غالبية الجيش والشرطة، تعرضوا للتهميش السياسي والعسكري، وبدأت حروب طائفية بين مختلف الفصائل.
إيران كانت حريصة على تعزيز وجودها في العراق عبر دعم ميليشيات شيعية مثل “فيلق بدر” و”كتائب حزب الله”، وهو ما جعل العراق يشهد مرحلة جديدة من الهيمنة الإيرانية، التي أضعفت النفوذ السني في البلاد وجعلت العراق ساحة لصراع طائفي متجدد.

العراق: بداية التحديات والاختلالات السياسية
بعد 2003، كان العراق يشهد تحولًا دراماتيكيًا في هيكلته السياسية. السلطة انتقلت إلى الأحزاب الشيعية المدعومة من إيران، بينما تعرض العرب السنة إلى التهميش الكامل. إيران استغلت هذه الفرصة لبناء ميليشيات طائفية لتوسيع نفوذها في العراق، ما جعل السلطة الشيعية تنفرد في إدارة شؤون الدولة. هذا التهميش العربي السني أحدث اختلالات سياسية كبيرة في العراق، خاصة في المناطق السنية مثل الفلوجة والموصل، التي شهدت عمليات عسكرية قاسية.
على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهتها الشعوب السنية في بلاد الشام والعراق، فإن هناك دائمًا أملًا في إعادة بناء التوازن السياسي والاجتماعي في المنطقة. الهيمنة الإيرانية على العديد من الساحات العربية أفرزت صراعات طائفية معقدة، إلا أن الدول السنية في المنطقة، مثل السعودية ودول الخليج، تعمل على استعادة موقعها في معادلة القوة الإقليمية. هذه التحولات قد تستغرق وقتًا طويلاً، لكنها تبقى أساسًا لحل طويل الأمد يهدف إلى إعادة بناء الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.

شاركها.