شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

خالد خشفة
محلل وباحث سياسي

لم يكن الانسحاب الأميركي المفاجئ من العراق حدثا عسكريا عابرا بل شكّل زلزالا سياسيا وأمنيا أعاد خلط الأوراق الداخلية والإقليمية
بينما رآه البعض خطوة لاستعادة السيادة الكاملة واعتبره آخرون تخليا يترك العراق مكشوفا أمام الانقسامات والتدخلات الخارجية
لكن أخطر ما كشفه الانسحاب هو هشاشة الدولة أمام معادلة معقدة فراغ أمني وارتباك اقتصادي يقابله ملف دمج الحشد الشعبي في الجيش الذي تحوّل إلى معركة وجودية بين الدولة ومشاريع النفوذ

السليمانية والوسط صورة الانقسام :

الأحداث الأخيرة في السليمانية أبرزت الوجه الكردي–الكردي للصراع حيث التنافس على النفوذ والاستعداد لمرحلة ما بعد الغياب الأميركي
أما في المنطقة الوسطى فقد واجهت الحكومة تحديات أكبر فصائل مسلحة ونفوذ عشائري وبقايا تنظيم “داعش” هذا المشهد يؤكد أن أي مستقبل آمن للعراق مرتبط بحسم قضية السلاح الموازي وعلى رأسه الحشد الشعبي

الحشد الشعبي من قوة تعبئة إلى دولة داخل الدولة :

نشأ الحشد عام 2014 بفتوى المرجعية لمواجهة “داعش” لكنه سرعان ما تحوّل إلى مؤسسة ضخمة تملك السلاح والمال والإعلام
اليوم ومع غياب المظلة الأميركية يطفو على السطح ملف دمجه في الجيش كأحد أهم مفاتيح الاستقرار أو الانفجار
لكن عقبات الدمج عديدة :
▪︎ الهوية والولاء : فصائل مرتبطة بطهران تجعل القيادة مزدوجة
▪︎ التخوف السني والكردي : من تطييف المؤسسة العسكرية
▪︎ المعارضة الشيعية الداخلية : التي ترى أن الحشد فقد مبرره بعد انتهاء “داعش”
▪︎،الموقف الخليجي : الذي يعتبر أي دمج غير منضبط تكريسا للنفوذ الإيراني

لعبة النفوذ بين إيران والولايات المتحدة :

هل تتخلى إيران عن نفوذها في العراق ؟
الجواب الواقعي : لا
إيران تعتبر الحشد ذراعها الاستراتيجي تماما كما تعتبر حزب الله في لبنان ركيزة نفوذها
أي محاولة لتذويبه قد تضعف قبضتها لذلك فهي تسعى لإبقاء الولاءات حتى لو دخل الحشد تحت المظلة الرسمية

أما الولايات المتحدة فهي لا تريد ترك العراق لإيران بالكامل لكنها تدرك أن حلّ الحشد مستحيل دون انفجار داخلي لذلك تميل إلى مقاربة براغماتية تدفع نحو جيش وطني موحد مع قبول بقاء الحشد ضمن حدود معيّنة

فراغ أمني وتمدد إيراني

الانسحاب الأميركي لم يترك فراغًا عسكريا فقط بل فتح المجال أمام إيران لتكريس حضورها السياسي والاقتصادي والعسكري فالفصائل الموالية لها باتت دولة موازية داخل العراق تتحكم بقرارات استراتيجية وتمتلك اقتصادا موازيًا
هذا الواقع جعل العراق ساحة صراع أميركي–إيراني بالوكالة بينما يدفع الشعب العراقي الثمن

الاقتصاد على حافة الانفجار

أي اضطراب أمني يترجم مباشرة في السوق ارتفاع الدولار أمام الدينار ويهدد بغلاء الأسعار وتآكل القدرة الشرائية ما قد يفجّر احتجاجات شبيهة بانتفاضة تشرين ومع تغلغل شركات الحشد في قطاعات اقتصادية حساسة يصبح الاقتصاد رهينة التوازنات السياسية والأمنية

سيناريوهات المستقبل بين الدمج والفوضى

إما دمج منضبط وحقيقي وتوحيد القيادة تحت وزارة الدفاع وإخضاع اقتصاد الحشد لرقابة الدولة ما قد يفتح باب الاستقرار وإعادة الثقة الدولية بالعراق
أو تقنين بلا ضبط وغطاء قانوني أوسع للحشد دون معالجة جوهرية ما يكرّس دولة داخل الدولة

وفي حال فشل الدمج سيكون هناك ازدواجية في القرار العسكري وتوسع اقتصاد الظل وضغط خليجي ودولي واحتمال صدام داخلي

والأمن بلا مظلة فالجيش العراقي رغم تحسنه النسبي يفتقر إلى منظومة دفاع جوي وراداري متكاملة ومع غياب القوات الأميركية يصبح العراق عرضة لاختراقات واعتداءات هذا الفراغ الدفاعي يزيد هشاشة الدولة ويضعها في موقع ضعف استراتيجي

معركة الدولة الحقيقية دمج الحشد الشعبي في الجيش فهي ليست مجرد قضية إدارية بل اختبار لوجود الدولة نفسها
نجاحه يعني عراقا موحّدا قادرا على استعادة قراره بينما فشله يعني استمرار الانقسام وربما الانزلاق إلى فوضى جديدة

الانسحاب الأميركي جعل هذا الملف أكثر إلحاحا فإما أن يكون الدمج مدخلا لبناء الدولة أو يتحول العراق إلى ساحة مفتوحة لجيوش الظل وصراعات المحاور

وبين هذه المعادلة يبقى السؤال المعلّق
هل سينهض العراق بجيش واحد لوطن واحد ؟
أم سيظل أسيرا لفراغ أمني واقتصادي يجعل مواطنيه الخاسر الأكبر ؟

شاركها.