منها من خضع تطوّع تراجع
في الأيام الأخيرة برزت بيانات خطيرة خرجت باسم بلديات من القرى الأمامية في قضاء صور، إضافة إلى بيان منسوب إلى عائلة آل بركات في بلدة رب ثلاثين. هذه البيانات، وإن اختلفت في الشكل والمضمون، إلا أنها تلتقي عند نقطة واحدة: استعمال التخوين كوسيلة لإسكات الأصوات التي ترفع شعار دولة القانون والمؤسسات.
البيانات البلدية التي وُزِّعت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مفادها أن البلديات وحدها المخوّلة التحدث باسم الأهالي ونقل همومهم، وهو كلام صحيح في الإطار الإداري، لكن ما أثار الريبة أنّ هذه البيانات لم تحمل توقيعًا ولا ختمًا ولا اسمًا لأي رئيس أو مجلس بلدي. بدا الأمر وكأنه “أمر عمليات” أُملي في الليل، صيغ بعناية، وعمِّم على صفحات التواصل الاجتماعي ، ليُسحَب لاحقًا بعد ساعات قليلة، تاركًا وراءه تساؤلات كبرى: من كتب؟ من وزّع؟ من أمر؟ ولماذا سُحب فجأة؟
الأكثر خطورة أنّ عددًا من أعضاء المجالس البلدية سارعوا إلى إعلان براءتهم من البيان، مؤكدين أن لا علم لهم به، ما يعني أن البلديات قد وُضِعت في مواجهة أبنائها، وأن اسمها استُخدم في لعبة سياسية – أمنية تهدف إلى الترهيب وربما تمهيد الأرضية لهدر الدم.
أما بيان عائلة آل بركات، فقد جاء في السياق نفسه: إخراج شخص من بيئته وتبرئة العائلة من اسمه ومواقفه. البيان فُسِّر على نطاق واسع بأنه استكمال لحملة الضغط والتخوين ضد كل من يقف إلى جانب دولة القانون والمؤسسات الشرعية، من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء، في مواجهة منطق الدويلة والسلاح المنفلت.
ما يجري ليس تفصيلاً. عندما تُحوَّل البلديات – وهي مؤسسات منتخبة تمثل الناس – إلى أدوات في مشروع سياسي – أمني يوزّع صكوك الوطنية ويكتب بيانات بلا تواقيع، فهذا يعني أننا أمام خطة منظمة لتكميم الأفواه، ولإرسال رسائل ترهيب إلى كل من يرفض الانصياع.
إنّ الخطر الحقيقي يكمن في تكريس معادلة “إما أن تكون مع النهج المفروض، أو تُتَّهَم بالخيانة وتُخرَج من بيئتك وعائلتك وبلدتك”. وهذه المعادلة ليست سوى غطاء لهدر الدم، بشكل مباشر أو غير مباشر.
لقد آن الأوان أن يُكشَف من يقف وراء هذه البيانات: من كتبها؟ من أملاها؟ ومن سحبها بعد نشرها؟ وهل المطلوب أن تتحول البلديات من مؤسسات إنمائية وخدماتية إلى ميليشيات سياسية وظيفتها تخوين وتصفية الحسابات؟
الناس في الجنوب يعرفون أن ثمة جهة تسعى إلى مصادرة قرار البلديات وتجييرها في مشروع التخوين وهدر الدم.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، المطلوب التمسك بدولة القانون، بالدستور، وبالمؤسسات الشرعية وحدها، ورفض تحويل البلديات إلى أدوات بيد “أجهزة الظل”. فهذه الطريق لا تؤدي إلا إلى الخراب، ولا تحمي قرية ولا عشيرة ولا عائلة، بل تضعها جميعًا في دائرة الخطر.
