جهاد المغربي
باحث سياسي
في لحظة سياسية مفصلية، وافقت حكومة نواف سلام على ورقة توم باراك التي تنص على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، بما يشمل سلاح حزب الله. القرار الذي اعتُبر “تاريخيًا” من قبل واشنطن وباريس، قوبل برفض قاطع من الحزب، الذي وصفه بأنه “انقلاب على المقاومة وخدمة مجانية لإسرائيل”.
الانقسام الداخلي بلغ ذروته مع انسحاب وزراء الثنائي الشيعي من جلسة الحكومة، واتهامها بضرب الميثاقية الوطنية. في المقابل، تمسّكت الحكومة بقرارها، مؤكدة أن “الوقت قد حان لبناء وطن واحد وجيش واحد”.
ورقة باراك: إنقاذ مشروط أم إعادة رسم النفوذ؟
الورقة التي حملها المبعوث الأميركي اللبناني الأصل، توم باراك، تتضمن:
• خطة أمنية لنزع سلاح حزب الله تدريجيًا تحت إشراف الجيش اللبناني.
• دعم اقتصادي دولي مشروط بتنفيذ الإصلاحات الأمنية والسياسية.
• إشراف دولي على التنفيذ، ضمن إطار زمني لا يتجاوز 18 شهرًا.
لكن الورقة، رغم طابعها الإصلاحي، تحمل في طيّاتها اشتراطات سياسية وأمنية قد تُفجّر الداخل اللبناني إذا لم تُدار بحكمة.
حزب الله: السلاح ليس للمساومة
الحزب اعتبر القرار الحكومي “مخالفة ميثاقية واضحة”، وتهديدًا مباشرًا لمعادلة الردع مع إسرائيل.
وفي بيانه الأخير، حذّر من أن “أي محاولة لنزع السلاح بالقوة ستُقابل بما لا يُتوقع”، ما يفتح الباب أمام احتمالات التصعيد الداخلي أو الإقليمي.
الدولة اللبنانية: بين القرار والارتباك والحرب
الواقع اللبناني اليوم لا يحتمل مزيدًا من المغامرات، فالتوازن الداخلي هشّ مع تصاعد الاستقطاب بين القوى السياديّة وحزب الله، والشارع منقسم، وموقف الحكومة حُسم باتجاه الدولة المركزيّة مع دعم دولي واضح، والجيش مكلّف بإعداد خطّة تنفيذيّة، وسط تحدّيات ميدانيّة وسياسيّة‘ أمّا الموقف الدولي فيضغط دون أن يمكلك إدوات تنفيذيّة حقيقيّة، ما يجعل تنفيذ الورقة محفوفًا بالمخاطر.
وعليه تتراوح السيناريوهات بين:
1. استمرار الجمود السياسي: بقاء الوضع على ما هو عليه، مع تصاعد الضغوط دون نتائج ملموسة.
2. حوار وطني شامل: إطلاق نقاش حول الاستراتيجية الدفاعية، يشمل كل الأطراف.
3. تصعيد داخلي أو إقليمي: في حال ربط الملف بانتخابات أو تطورات إقليمية.
4. تسوية مشروطة دوليًا: ربط الدعم المالي بنزع السلاح أو تقليص دوره.
لقد أعاد القرار الحكومي طرح سؤال جوهري: هل يمكن بناء دولة قوية في ظل وجود سلاح خارج مؤسساتها؟
لكن التوقيت، والانقسام الطائفي، والضغوط الخارجية، تجعل من هذا القرار سيفًا ذا حدّين.
ففي حال تنفيذ الورقة دون توافق داخلي، قد يتحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة مفتوحة، بين الدولة وحزب الله، وبين الداخل والخارج.
أولاً – على المستوى الداخلي :
السيناريو المرجّح: تنفيذ تدريجي تحت مظلة دولية
وفقًا لمصادر دبلوماسية، فإن الحكومة اللبنانية ستبدأ بتنفيذ الورقة عبر خطوات غير صدامية، تشمل:
• نشر الجيش في مناطق محددة.
• فتح قنوات تفاوض غير معلنة مع حزب الله.
• ربط التنفيذ بضمانات دولية، لتفادي الانفجار.
لكن نجاح هذا السيناريو يتوقف على قدرة الحكومة على احتواء الغضب الشعبي، وتقديم خطاب وطني جامع، لا استفزازي.
ثانياً – على المستوى الخارجي:
في ظل هذا الانقسام، تبرز أربعة سيناريوهات محتملة للحرب الإسرائيلية على لبنان:
1. السيناريو الأوّل : عملية برية محدودة
• الهدف: توغل إسرائيلي بعمق 5–6 كم لتدمير مواقع لحزب الله قرب الحدود.
• الرد المتوقع: انسحاب تكتيكي من الحزب، مع تصعيد في إطلاق الصواريخ.
• المخاطر: استنزاف سريع للقوات الإسرائيلية، دون تحقيق نتائج حاسمة.
2.السيناريو الثاني: اجتياح واسع حتى نهر الليطاني
• الهدف: فرض منطقة عازلة بعمق 20–30 كم داخل الأراضي اللبنانية.
• الرد المتوقع: مقاومة شرسة من الحزب، واستهداف العمق الإسرائيلي.
• المخاطر: خسائر بشرية كبيرة، وتورّط إسرائيل في حرب استنزاف طويلة.
3. السيناريو الثالث :عمليات خاصة وإنزال جوي
• الهدف: اغتيال قيادات بارزة، وضرب مراكز القيادة والسيطرة.
• الرد المتوقع: رد غير متناسب من الحزب، قد يشمل قصف تل أبيب.
• المخاطر: فشل العمليات النوعية قد يؤدي إلى تصعيد شامل.
4. السيناريو الرابع : حرب جوية مركّزة (السيناريو المرجّح)
• الهدف: غارات جوية مكثّفة على مواقع الحزب دون اجتياح بري.
• السبب: انشغال الجيش الإسرائيلي في غزة، وعدم قدرته على فتح جبهة برية ثانية.
• الرد المتوقع: إطلاق رشقات صاروخية مكثفة من حزب الله، تشمل صواريخ بالستية تصل إلى حيفا وتل أبيب.
• المخاطر: توسّع دائرة الاستهداف، وفتح جبهات إقليمية من اليمن والعراق وسوريا.
ختاماً : هل نحن أمام “ضربة ذكية”… أم بداية النهاية؟
يقف لبنان على حافة مواجهة داخلية–إقليمية، حيث تعتبر أي خطوة غير محسوبة قد تشعل حربًا لا يمكن احتواؤها.
فإسرائيل لا تريد حربًا طويلة، لكنها قد تشعل حربًا لا يمكن إطفاؤها، وحزب الله لا يبحث عن مواجهة، لكنه لن يقف متفرجًا.
والجنوب يغلي، والسماء تراقب، والعدّ التنازلي بدأ…فهل يملك لبنان ترف الوقت؟ أم أن الجحيم على وشك أن يُفتح؟
