شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د.سمير حسن عاكوم

في خريف عام 2023 انهارت تجربة «ناغورني قره باغ» أو «آرتساخ» كما كان الأرمن يسمّونها. بدأ الأرمن باستوطان هذا الإقليم بدعم روسيا القيصريّة خلال نفس الحقبة التي شهدت انتقال الدروز من جبل لبنان إلى السويداء بدعم عثماني أي بعد أحداث 1840… لتُطوى صفحته أخيراً في أيامٍ قليلة. ثلاثة عقود من محاولة فرض واقع انفصالي بُني على وهم فائض قوة الخارج انتهت أمام انتصار خاطف لباكو وحلفائها. عشرات آلاف الأرمن نزحوا إلى أرمينيا، فيما بقيت الحقيقة السياسية الأوضح أن أي كيان محلي أو أقلوي مهما تلوّن بالشعارات لا يمكن له أن يصمد خارج ميزان القوى الإقليميّة والشرعية الدولية.

هذه التجربة تعيدنا إلى ما يشهده جبل العرب (السويداء) اليوم، مع الحراك الذي يقوده الشيخ حكمت الهجري. خلفيّات هذا الحراك متناقضة، وكل طرف يقرأها وفق سرديته المُجتزأة المترافقة مع ضخ إعلامي رصدت فيه إسرائيل بداية هذا العام مبلغ مليار دولار لتأليب دروز سوريا على دمشق وفق «وول ستريت جورنال»، لكن سرعان ما تحوّل الحراك إلى خطاب سياسي منفلت من ضوابطه، يتراوح بين المطالبة باللامركزية الواسعة وصولاً إلى دعوات علنيّة للانفصال الكامل عن الدولة السورية والتحالف أو الإنضمام لقوى خارجية معادية هي إسرائيل!
في لحظة هشاشة تمرّ بها دمشق وهي تحاول إعادة بناء مؤسساتها بعد عقود استبداد نظام الأسد وهيمنة «حلف الأقليات»، برزت أصوات تراهن على الخارج وتلوّح بخطاب إقصائي ضد العشائر والبدو والسنّة واصفةً إياهم بالجهل والتخلّف والتطرّف، في استعادة لمنطق غذّاه واستثمر فيه نظام الأسد البائد وسبق أن عانى منه دروز لبنان، وكان المطلوب التعاضد بتحمّل مسؤوليّة تحقيق عدالة انتقاليّة لردم الهوة المرعبة بين مكونات الشعب الواحد في التعليم والثقافة والمستوى الإجتماعي وترميم آثار الحرب والتهجير…
تتضاعف الخطورة حين يسارع بعض دروز لبنان من الذين يُفترض أن يكونوا أكثر توازناً إلى إعلان تضامن أعمى مع هذه الطروحات، وكأنّ الطائفة في لبنان محكومة بالولاء الغرائزي حتى لو كان الخيار كارثياً. هذا الانزلاق يتناقض تماماً مع الإرث التاريخي الذي أعطى الدروز مكانتهم في المشرق العربي. يكفي التذكير بمشروع الأمير شكيب أرسلان الذي أخرج الدروز من صورة جماعة متقوقعة إلى موقع مركزي في العروبة والإصلاح. لم يتردّد أرسلان الذي جاب بين العواصم من جنيف إلى إسطنبول في الدفاع عن قضايا العرب والمسلمين جميعاً واضعاً الدروز في قلب القضايا الكبرى لا على هامشها الطائفي. وعلى النهج نفسه جاء كمال جنبلاط مؤسّس الحزب التقدمي الاشتراكي وزعيم الحركة الوطنية اللبنانية، الذي حوّل الطائفة إلى رافعة وطنية وحاضنة للحوار، مؤكّداً أن «الطائفة ليست غاية بحدّ ذاتها بل وسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع».
يُخشى اليوم أن يكون بعض دروز لبنان قد ابتعدوا عن هذا التراث وانزلقوا نحو عصبية ضيقة تضع الطائفة في عزلة. فالتضامن الطائفي الأعمى لا يصنع سياسة بل يفتح أبواب المأساة. وما أشبه ما يجري اليوم بما حدث في «قره باغ»… خطاب منفصل عن الواقع، تحالفات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية وانقطاع عن الشرعية المركزية، والنتيجة دائماً واحدة… الانهيار والتشظي عند أول امتحان.
فهل من مصلحة دروز لبنان أن يتماهوا مع دعوات الانفصال في السويداء؟ هل من الحكمة أن يضعوا أنفسهم في مواجهة الدولة السورية وشعبها لمجرّد «نصرة الأقرباء»؟ أليس التاريخ القريب شاهداً على أن الطوائف التي انعزلت أو راهنت على الخارج دفعت الثمن إمّا بالهجرة أو بفقدان دورها؟
في الوقت الذي تحاول فيه دمشق الجديدة ترميم مؤسساتها والانفتاح اقتصادياً، بدءاً من ضخ الغاز الأذري عبر تركيا إلى حلب هذا العام، يرفع بعض أبناء السويداء شعار الانفصال! وفي اللحظة التي تحتاج فيها سوريا إلى أقصى درجات التماسك الوطني يُصرّ بعض اللبنانيين على تصوير الدروز رأس حربة مشروع تقسيمي جديد، فيما الأجدى أن يكون دورهم الوساطة، تقريب وجهات النظر والتمسّك بالحوار بدل إذكاء نار الفتنة.
التاريخ مليء بالدروس وتجربة قره باغ ليست استثناء بل قاعدة تقول أن أي مشروعا طائفيا أو انفصاليا خارج الشرعية محكوم بالفشل. أمّا المشاريع التي قامت على المصالحة وبناء المؤسسات فهي وحدها التي ضمنت الاستقرار والمكانة.
من هنا فإن الدعوة موجّهة إلى دروز لبنان قبل غيرهم لاستعادة موقعهم الوسطي إلى جانب السنّة وباقي المكوّنات، وأن يكونوا الجسر لا الجدار، الصوت العاقل لا المحرّض. عليهم أن يذكّروا إخوتهم في السويداء بأن المغامرات الانعزالية لا تنتج إلّا المآسي وأن يستعيدوا دورهم الوطني كجزء من حركة الإصلاح والانفتاح العربي والإقليمي المتجدد وصولاً إلى حدود خطوط الغاز مع قره باغ أذربيجان وغيرها من مشاريع صناعة المستقبل المشترك.
في النهاية تبقى الحقيقة الأهم وهي أن الشعوب التي تتجاوز أزماتها تعود لتؤسّس لدورها الحضاري. وسوريا بثقلها التاريخي ليست استثناء وستنهض عاجلاً أم آجلاً بإرادة شعبها وبفضل موقعها. أما الدروز في لبنان كما في السويداء فخيارهم الحقيقي أن يكونوا جزءاً من هذا النهوض لا عقبة في طريقه. كما يقولون في مجالسهم الخاصة «نحن مثل طبق النحاس أينما تضرب عليه يرنّ بكل مكوّناته»، هذه المرّة يجب أن تأتي «الرنّة» من لبنان، من وعي وتجربة الدروز في حرب الإبادات والإلغاءات الأهليّة التي شارك فيها ودفع ثمنها كل المكوّنات، ويكون عملهم البناء وفق قواعد الحكمة التي ورثوها من أرسلان وجنبلاط، عبر إطفاء الحرائق لا إشعالها، بناء الجسور لا المتاريس وصناعة الإيجابي من التفاعل الإجتماعي والسياسي لا الانجرار خلف السلبي منه.
شاركها.