شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

عارف العبد 

كشف رئيس مجلس النواب، نبيه بري، قسماً كبيراً من الحقيقة التي يعيشها لبنان في هذه الأيام، حين قال خلال استقباله عضو مجلس الشيوخ الأميركي السيناتور مارك واين مولين مع وفد نيابي أميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إنّه، وبالرغم من الجهود الدولية المبذولة، والوساطة الأميركية على وجه الخصوص، لجعل إسرائيل تنصاع للشرعية الدولية ولتنفيذ اتفاق وقف النار وتطبيق القرار 1701 المتوافق عليه في تشرين الثاني 2024، نُفاجَأ بجهودٍ مضادّة من الراعي عينه للقرارين 425 و1701 ولاتفاق وقف النار، تستهدف وجود قوات الطوارئ ومهمتها. علماً أنّ الآلية الخماسية تحتضن قوات الطوارئ بتركيبتها، وجزء أساسي من عملها يرأسه جنرال أميركي وينوب عنه جنرال فرنسي. فكيف لساعٍ إلى تثبيت وقف النار وإنهاء الحرب أن يستهدف جهوده؟

كلام بري المباشر أمام الوفد النيابي الأميركي المشترك من الحزبين، تقصّد كشف ومهاجمة سياسة الإدارة الأميركية الحالية، التي تعلن وتبرهن وتؤكد يومياً انحيازها لإسرائيل ومصالحها وطروحاتها، وفي المدة الأخيرة تتجه لتأييد إسرائيل في معارضة التجديد لقوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب.

والواقع، أن برّي قد لامس الحقيقة الواقعية التي يعيشها لبنان في هذه الفترة، لكنه في الوقت عينه تغافل عن قضايا أخرى متصلة بهذا الموضوع.

فهو قد تغافل عن الموقف المتطرف الذي أعلنه حليفه أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، والذي أعلن فيه رفض البحث أو التفكير بتسليم السلاح إلى الدولة اللبنانية، تحت شعار حصر السلاح بيد الدولة. وأعلن خوض معركة كربلائية بوجه هذا التوجه، مما سمح لكثر باعتبار كلام قاسم تلويح بالانخراط بمعارك داخلية، وتهديد السلم الأهلي إذا لم يؤخذ بمواقف حزب الله ومطالبه لجهة التمسك بالسلاح. 

وفي المقابل، فإن بري المعترض على الموقف الأميركي، أشاح بنظره في الوقت عينه عن الموقف الذي كان أعلنه الموفد الإيراني الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، علي لاريجاني، حين زار بيروت، والذي أعلن مواقف تتناقض مع التوجهات الحكومية والرسمية اللبنانية، محرضاً على قرارات الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيدها، مما سمح لحزب الله بالخروج عن التوجه الحكومي وتصعيد موقفه، والسماح بدفع الأجواء باتجاه التوتر على مختلف المستويات.

وهكذا، فإن لبنان واقع في الوقت الراهن بين مواقف متناقضة متعددة ومتواجهة، ومن سائر الاتجاهات. والأمر لم يقتصر على التدخل الإيراني الظاهر في مواقف لاريجاني؛ بل في الموقف الإسرائيلي الماضي في التصعيد العسكري الأمني، في كل الاتجاهات. إذ لم يخف رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير موقفه وتوجهاته نحو لبنان، وفي هذا الزحام  الإقليمي في لبنان، حين زار أحد المواقع من أصل خمس نقاط التي تسيطر عليها وتحتلها إسرائيل منذ الحرب الأخيرة، معتبراً بتفاخر من دون تردد، أن جيشه “يضرب بفعالية ويحبط التهديدات باستمرار”.

برفقة قادة وعسكريين من الجيش الإسرائيلي، قال زامير: “سبب وجودنا هنا اليوم هو أننا غيّرنا الواقع الأمني في الساحة الشمالية. الإنجازات غير مسبوقة، منذ تفاهمات وقف إطلاق النار”. 

المعضلة باتت معقدة من مختلف الأطراف المتواجهة في هذه المرحلة، الثنائي الشيعي يوزع مواقفه بين المناورة والتصلب تحت إشراف المرشد الإيراني، في حين يسعى الثنائي الأميركي عبر طوم براك ومعاونته مورغان أورتاغوس لتأمين الحلول لحماية الحليف الإسرائيلي وضمان مصالحه، ولبنان من ضمن هذه الرؤية وليس خارجها. 

مشكلة لبنان الحالية، مع الثنائي الشيعي، المتشبث بسلاح حزب الله، أنه خاضع للإرادة الإيرانية وأهدافها وتوجهاتها، تكتيكاً واستراتيجية. فنعيم قاسم قبل وصول لاريجاني كان يفكر في اتجاه، ولما زار لاريجاني لبنان بات قاسم يفكر في اتجاه معاكس. 

كان الشيخ قاسم يقول: أنا مع اتفاق الطائف الذي عمل عليه حسين الحسيني، وكان عرابه، وصيغ في العربية السعودية. ثم بات يقول بعد لاريجاني: أنا مع معركة كربلاء العراقية التي وضع أسسها الحسين بن علي، سيد الشهداء وقائد المظلومين والمحرومين.. ويا ليتنا كنا معكم.

في المقابل، فإن توم باراك وجد لدينا تقدماً مُرضياً، لكنه في الوقت عينه لا يضمن إسرائيل، وما الذي يمكن أن تفعله، وغير قادر أن يضغط عليها، وينوي مطالبتها بخطوة مقابل خطوة لبنان، لكنه غير متأكد من النتيجة!

أما زميلته وبديلته، مورغان أورتاغوس، فهي تركز جهودها على التجديد لليونيفيل، التي يبدو أن مهمتها ستمدد بعد جهد جهيد، للسنة الأخيرة، فيرتاح “الأهالي” في القرى الجنوبية من ملاحقة قواتها والتصدي لهم، على أن تصبح ساحة الجنوب بعدها مفتوحة لإسرائيل وحدها، بمشاريعها وغطرستها وجرائمها.. وهيهات منا الذلة.

وكان الله في عون لبنان. 

شاركها.