خالد الجمال
في تقريرٍ مفصّل عرضته قناة “الحدث” صباح الجمعة، تم التطرق إلى الانفجار السكاني في العراق، حيث بلغ عدد السكان 46 مليون نسمة، دون أن يترافق ذلك مع أي تطور فعلي في قطاعات التعليم، أو الصحة، أو البناء والإسكان، أو البنية التحتية كالكهرباء والمياه والطرقات، وغيرها من الخدمات الأساسية.
وبعده بقليل، عرض تقرير آخر عن تركيا، التي تعاني من انخفاض معدلات الولادة وتراجع أعداد الشباب القادرين على دخول سوق العمل، مما دفع الحكومة التركية إلى اتخاذ إجراءات جدية، وتقديم حوافز للشباب من أجل تنشيط حركة الولادات.
ورغم الفروقات الكبيرة بين العراق وتركيا من حيث الواقع السياسي والاقتصادي، فإن ما يجمع بين الحالتين هو الدور المهم لقطاع الإحصاء في رصد التغيرات الاجتماعية وتأثيرها على مستقبل الدول، ما يُمكّن الحكومات من اقتراح حلول واقعية واستباقية.
فماذا عن لبنان؟
رغم التصريح الذي أطلقته الوزيرة السابقة مي شدياق وأثار جدلاً، إلا أن المتابعين للشأن الاجتماعي – أو من يُفترض أنهم كذلك – ما زالوا منشغلين بالسياسة، بدل التفرغ لمعالجة القضايا الاجتماعية العامة.
وأنا، لست خبيرًا في هذا المجال، لكن ما أراه على طرقات شمال لبنان، وفي الطريق من بيروت وإليها، يدفعني إلى رفع الصوت: أين الباحثون الاجتماعيون؟ أين الدراسات عن البنية التحتية، وقدرتها على استيعاب التزايد السكاني؟ أين الإحصاءات عن نسب النمو وتوزّع السكان؟
يكفي أن تسلك طريق الضنية في أي يوم لتدرك أن عدد السيارات، وبالتالي عدد السكان، قد تجاوز بأشواط قدرة الطرقات على التحمل. ما كان يمكن إنجازه في ثلاثين دقيقة في الثمانينيات، يحتاج اليوم إلى ساعة أو أكثر. أما في أوقات الذروة، أو انصراف المدارس، أو نهايات الأسبوع، فحدّث ولا حرج.
وخذ على سبيل المثال الطريق بين طرابلس وبيروت:
إذا كنت متوجهًا إلى المطار، أو لديك موعد مع طبيب أو مستشار اقتصادي، فعليك أن تُضيف ساعتين على الأقل إلى وقت رحلتك، لا بسبب طارئ أمني أو عائق طبيعي، بل فقط بسبب الفوضى في حركة السير.
المركبات بأنواعها، العامة والخاصة والمشتركة، تملأ الطرقات، لكن الطرقات نفسها لم تعد قادرة على الاستيعاب. والأسوأ أننا لا نملك نظام نقل عام فعّال، ولا خطط واضحة، ولا دراسات تنموية جادة. وإذا ما أنشئ مركز للإحصاء أو الدراسات، يُغلق لاحقًا بحجج وذرائع واهية ومتخلفة.
باختصار، لا ننتبه إلى التغيرات العميقة التي تطرأ على مجتمعنا، ونغرق في تفاصيل السياسة اليومية، رغم أن أصل كثير من أزماتنا هو اجتماعي بامتياز. إذا لم ننتبه، سنجد أنفسنا في زحام خانق… تمامًا كطريق الضنيةبعد ظهر يوم السبت.
