
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
في بلدٍ يئن تحت أعباء الفقر والبطالة والانهيار كان يُفترض أن تشكِّل الجمعيات الخيرية رئة للمجتمع وملاذاً للناس البسطاء الذين سحقتهم الأزمات لكن الواقع اللبناني كعادته يأبى إلا أن يُلوَّث حتى المفاهيم النبيلة فمعظم الجمعيات التي ترفع شعارات العمل الخيري والتمكين الاجتماعي ليست سوى واجهات سياسية وأدوات للفساد وتبييض السمعة وأحياناً أدوات لتفكيك البنية الأخلاقية للمجتمع
أبرز الجمعيات تقودها زوجات السياسيين بأثواب الرحمة كل شيء يخضع للإعتبارات السياسية والمحسوبيات تُستخدم هذه الجمعيات لتأمين شبكة ولاء انتخابي وتوزيع الحصص على المحاسيب والمقرَّبين والعمل الخيري يصبح مجرَّد غطاء أما الغاية فهي دعاية سياسية واستمرار النفوذ
وما يُسمَّى عملاً خيرياً يتحول في كثير من الأحيان إلى شكل من أشكال الزبائنية السياسية حيث يُكافأ التابع ويُقصى المستقل ويُربط المواطن بلقمة عيشه بمكتب حزبي أو جمعية مرتبطة بزعامات تقليدية
أما الـ NGOs عناوين خدماتية وغايات مشبوهة
بعد انفجار 4 آب ومع تصاعد الدعم الدولي غزت الـ NGOs الساحة اللبنانية ومعها تمويل ضخم ومشاريع عابرة للحدود لكن بدلا ًمن أن تكون هذه المنظمات جزءاً من حل الأزمة تحوَّلت في كثير من الأحيان إلى جزء من المشكلة البعض منها لا يعرف له مكاتب فعلية والبعض الآخر يعمل تحت عناوين مثل التوعية أو تمكين المرأة أو الدعم النفسي والاجتماعي ولكن خلف الكواليس تُدفع أجندات ثقافية وقيمية بعيدة كل البعد عن الواقع اللبناني
من الجندرة إلى الهوية السائلة
أحد أبرز تجليات هذا الانحراف هو ما يُعرف بظاهرة الهوية السائلة حيث لا جنس واضح ولا انتماء محدد ولا ثوابت راسخة الكل مرن ومتغيِّر وحر في اختياره
هذه المفاهيم التي تُقدَّم عبر الجمعيات تحت عنوان حقوق الإنسان تُضرب بها القيم العائلية والتربوية وتُشوش على المراهقين وتتركهم فريسة للضياع
استراتيجية هذه الجمعيات تُعرف باسم التأثير الناعم أو الهندسة الاجتماعية حيث تُستَخدم شعارات إيجابية أو محايدة لإخفاء أهداف أعمق
كالدخول عبر شعارات عامة وجذابة
وقد تبدأ بمشاريع ظاهرها تنمية الشباب أو تمكين المرأة أو التوعية الصحية
ويتم اختيار عناوين فضفاضة لا تثير الشكوك مثل مشروع دعم المبادرات الشبابية أو بناء القدرات أو تعزيز التنوع
وغالبًا يكون التمويل مشروط يأتي من جهات خارجية أو منظمات دولية أو سفارات أو صناديق خاصة
وهذه الجهات تضع شروطا غير مباشرة على المحتوى أو الأنشطة بحيث يتم تضمين قيم أو أفكار معيّنة مثل التطبيع الثقافي مع المثلية أو تغيير مفاهيم الأسرة
بدل أن يطرحوا الأفكار مباشرة يبدأون بأنشطة تبدو بريئة دورات فنون مسرح حملات ضد التنمر ندوات عن التنوع
ومع الوقت يتم إدخال مصطلحات ومفاهيم جديدة في لغة الشباب مثل حرية الجسد أو حق الإختيار أو الهويات المتعددة لتصبح مألوفة قبل أن تُفهم أبعادها
وبناء شبكة مؤثرين محليين عن طريق اختيار شباب أو فنانين أو ناشطين محليين ليكونوا وجوه هذه المشاريع مما يعطيها شرعية في عيون المجتمع
هؤلاء المؤثرون يتبنون الخطاب الجديد ويعيدون نشره بلغة بسيطة ومقبولة وهذه الأنشطة غالبا تجري في ورش عمل خاصة أو على الإنترنت حيث لا توجد متابعة مباشرة من الأهل أو السلطات
وتستعمل وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة خاصة المنصات التي تحظى بثقة الشباب لدمج الرسائل في المحتوى الترفيهي من خلال أفلام قصيرة أو مسرحيات أو أغانٍ أو حملات رقمية تحوي رسائل غير مباشرة ويتم ربط هذه الرسائل بقيم إيجابية ظاهريا بحيث يصبح رفضها وكأنه رفض للتقدم أو حقوق الإنسان
وأي اعتراض يتم الرد عليه باستخدام شعارات حقوقية عالمية مثل حرية التعبير أو مناهضة التمييز
واتهام المعترضين بالتعصب أو الكراهية مما يضغط على الأصوات الرافضة
بهذا الأسلوب التغيير لا يكون فجائيا بل تدريجيا ومتدرجا حتى يصبح من الصعب التمييز بين التنمية الحقيقية وهندسة القيم الموجهة
ليست المشكلة في الحقوق الفردية بل في الطريقة الممنهجة التي تُستخدم بها هذه العناوين لتفريغ المجتمع من مرجعياته وكأن المطلوب ليس فقط تمزيق الاقتصاد والطبقة الوسطى بل أيضاً ضرب الهوية الثقافية والأخلاقية للناس
ما يجري يتطلب رقابة وطنية ومساءلة حقيقية ووقفة ضمير لا بد من رقابة صارمة على الجمعيات وكشف مصادر تمويلها والتدقيق في برامجها وأهدافها كما يجب التفريق بين الجمعيات الحقيقية التي تخدم الناس وتلك التي تعمل لتسويق أجندات سياسية أو ثقافية مريبة
لبنان اليوم لا يحتاج إلى جمعيات تبيعنا الوهم وتستغل فقر الناس بل يحتاج إلى مؤسسات شفافة تُرمم ما دمَّرته السياسة وتحمي ما تبقى من نسيجه الأخلاقي .
