شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 


نبيل شحادة

الحملات الأخيرة ضد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ليست نزوة إعلامية أو رد فعل غاضب، بل هي جزء من استراتيجية ممنهجة هدفها خلط الأوراق وتشويه صورة الدولة اللبنانية في لحظة مفصلية يمكن اذا نجحت أن تنقل لبنان الى وضعٍ سياسي واقتصادي آخر، ويُعيد له دوره الريادي في المنطقة. فحين قرر مجلس الوزراء، وبموافقة رئيس الجمهورية، وضع حدٍّ لحالة تعدد السلاح وتكليف الجيش مهمة وضع خطة واضحة لتطبيق القرار، لم يجد حزب الله أمامه سوى خيار استهداف شخص رأس الحكومة، وتحويل معركة الدولة ضد السلاح غير الشرعي إلى معركة شخصية مع رجل واحد، وهو الذي قال:” همي الدائم أن تعود مدينتي بيروت، أماََ للشرائع كما هو لقبها، وأن ننجح كلبنانيين في إقامة دولة القانون في بلادنا وأن يسود العدل بين أبنائه”.

ورغم أن قرار حصر السلاح بيد الدولة صدر عن الحكومة مجتمعة وبحضور رئيس الجمهورية جوزاف عون، أي عن سلطة تنفيذية تتمثل فيها معظم القوى السياسية والطائفية في البلاد، والخروج التكتيكي للوزراء الشيعة من الجلسة يوم القرار، لم يؤثر على شرعية القرار ولا ميثاقيته ولا وجوب تنفيذه. سارع الحزب إلى تضييق دائرة المواجهة وحصرها فقط بشخص نواف سلام، وأُدرك خطورة أن يظهر القرار وكأنه إجماع وطني، فسارع الى الايعاز الى “افراد” وهيئات وهمية الى رفع اليافطات التي تتهم الرئيس سلام بالعمالة، أو حتى وضع صوره على الأرض ودوسها من المارة والسيارات في مشهد مقزز وخبيث، وهذا ليس مجرد تنفيس غضب، بل أراد الحزب أن يحصر معركته مع “عدو جديد” هو رئيس الحكومة مع ما يحمل ذلك من خلفيات دينية وأبعاد ثأرية، وأن يقدّم لجمهوره تأكيداً مصطنعاً من أنه “حامي الطائفة”، وأن قرار سحب سلاحه هو مؤامرة شخصيّة على الحزب وبيئته ومدعومة من الخارج “الشرير”.

الرئيس نواف سلام ليس سياسياً عادياً. هو يحمل شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية في باريس ودرجة الماجستير في القانون من جامعة هارفارد الأمريكية، وهو قاضٍ ودبلوماسي أمضى سنوات في مناصب عليا في أروقة الأمم المتحدة والمحافل الدولية، وصاحب صورة تختلف عن معظم السياسيين التقليديين في لبنان، وخلفيته منحته رصيداً من المصداقية والاحترام الدولي، وهو بالضبط ما يقلق الحزب أكثر من مضمون القرار ذاته. فالرئيس سلام استطاع وفي وقت قليل أن يتحوّل إلى واجهة لخطاب سيادي لبناني بامتياز، وأن يجد له آذاناً صاغية في العواصم العربية والعالمية، وبالتالي، أصبح شريكاً دولياً في إعادة صياغة معادلات وتحالفات الداخل اللبناني دون أن يمتلك حزباً كبيراً أو ميليشيا مسلحة. لذلك، ظنّ الحزب إنّ ضرب وتشويه سمعة سلام أولوية عاجلة لهٌ قد منهجه المتداعي، وقد يُبطئ من سرعة خطة الحكومة لنزع السلاح.

استهداف الرئيس سلام يحملُ في طياتهِ أيضاً بعداً طائفياً لا يمكن لعاقل إغفاله؛ فالحزب دأب منذ سنوات طويلة على العمل بقوة على تحييد أو إضعاف القيادات السنّية التي ترفع شعار الدولة وسيادتها، وتملك القدرة على إقناع الداخل، والتواصل مع العالم كله. حصل ذلك مع الرئيس رفيق الحريري حين شُنّت عليه حملات التخوين قبل اغتياله وهو الذي جلب الاعتراف الدولي بما يُسمّى المقاومة، وتكرّر مع الرئيس فؤاد السنيورة الذي أنقذ الحزب من كارثة في عام 2006، وها هو يتكرّر اليوم مع نواف سلام. منطق الحزب واحد: منع أي زعامة سنّية من أن تتحول إلى مرجعية وطنية جامعة قادرة على مواجهة نفوذ الحزب وهيمنته واسلوبه في دعم الانقسامات والشرذمة. هذا البعد الطائفي، خطير، لأنه يضع بيئة الحزب الشيعية في مقابل رئيس الحكومة السنّي ومَنْ خلفه، ويزرع في نفس الوقت بذور فتنة قد تنفجر في بلدٍ هشٍّ وضعيف، مُنهك اقتصادياً واجتماعياً، ولم تلتئم جروحه بعد، والجميع يعلم أن المُستفيد من أي انفجار أهلي في هذه المرحلة الصعبة والدقيقة، هو حصراً مَنْ يريدُ الاحتفاظَ بسلاحه ليواصل الهيمنة، وفرض معادلاته وأجنداته على الدولة.

اللبنانيون اليوم أمام فرصة جوهرية ونادرة لاستعادة دولتهم الشرعية الجامعة لكل مكوّناتها من يد “الدويلة”، وفي أن يُحصر السلاح أولاً في الجيش اللبناني، وهو المؤسسة الوحيدة المخوّلة حمل السلاح وتنفيذ قرار الحكومة في موضوعي الحرب والسلام. أما “الدويلة” فهي كانت دائماً صورة لفئة حزبية وطائفية حوّلت لبنان الى منصة اطلاق صواريخ، ومساحة جغرافية للصراعات الإقليمية الخطيرة لخدمة مصالح إيران ومشاريعها النووية والتوسعية في المنطقة.
استهداف الرئيس نواف سلام اليوم هو اختبار حقيقي للبنان؛ فهل يستطيع أن يُثبت أنه دولة قوية تدرك مصالحها وتعمل على الحفاظ عليها، أم يبقى ملعباً لميليشيا تعمل خارج إطار الدستور والقانون، وتتطاول على كل شيء بالمباشر ولغة التخوين والتحريض، أو باليافطات السوداء التي تتهم الآخرين بالعمالة, وتثير العصبيات الفوضوية؟.

الحملة على سلام تكشف مأزق الحزب، وجرأته على تجاوز الخطوط الحمراء، متجاهلاً التداعيات والنتائج المدمرة المحتملة. وتكشف أيضاً حجم الخطر الذي يشكّله سلاحه على السلم الأهلي والعيش المشترك إذا تُرك دون مواجهة. إنّ لبنان، في هذه اللحظات الراهنة، لا يحتمل فتنة جديدة ولا استنزافاً طائفياً، ولا يمكن أن يستمر تائهاً في أزماته المالية والاقتصادية، وسط فوضى السلاح غير الشرعي، وانتهاك سيادة الدولة ورهنها للخارج، والمطلوب من القوى السياسية والسيادية منها خاصة، الوقوف صفاً واحداً متماسكاً، وأن تصمد، وتوسّع قاعدة الإجماع حول قرار قيامة الدولة، وانهاء عقود من التبعية والفوضى والتهميش والوظائف الموازية.

شاركها.