محمود القيسي
“قـد حقـق العقـل أن العلـم مقـدرة
والجهـل عجـز ومـا في العجز معذرة
قــرت عيــون بنـور العلـم مبصـرة
قـد أَصـبح العلم فرضاً ليس عنه غنىً
وأَصــبح الجهـل ذنبـاً ليـس يغتفـر
الجهـــل أرزاؤه بالشــرق نازلــة
الجهـــل أدواؤه كالســـل قاتلــة
الجهـــل آثـــامه للكــل شــاملة”
الشاعر جميل صدقي الزهاوي
نعيم يا شيخ نعيم… الشيخ نعيم ماغيرو…نعيم قاسم… أمين عام ما تبقى من “الحوزب الإلهي المقدس” ما غيروا… الذي القى كلمة “تفجيرية” و “تهديدية” و “حربية” و “تكتيكية” بالنيابة عن معلمه الايراني لاريجاني… او نيابة عن الزائر الثقيل علي لاريجاني الذي وضع الرسالة على طاولة الشبخ نعيم دون ترجمة، وأمره بإلقائها فور مغادرته لبنان ملوحا بالحرب الاهلية.
لقد كشفت الرسالة او ما تبقى من أظافر ايرانية، حقيقة الزائر غير المرحب به من معظم اطياف الشعب اللبناني، لوقاحته غير الدبلوماسية في دخول لبنان “عبر” النوافد، والأفكار البالية، والمقترحات الضيقة، فوق الطاولة وتحتها في ازدواجية المعايير، والمقاييس، واللغات والتوجهات المُقنّعة والغير مُقنّعة.
علي لاريجاني امين عام مجلس الامن القومي الإيراني الاعلى لم يتبقى له ومرشده علي خامنئي سوى اخذ لبنان من خلال حزب المصائب والبلاوي ( رهينة ) للمساومة علينا وعلى لبناننا في مفاوضاته النووية القادمة مع الولايات المتحدة الاميركي. ليس هناك اكثر وضوحاً من هذا الوضوح -رغم ان أقصى الوضوح عند البعض هو الغموض- الذي يصبح فيها لبنان مجرد كبش الفداء على طاولة المفاوضات. ووجبة الفطور، او الغداء، او العشاء كما يفضّل البعض مع كأس شراب يساعد على الهضم يا نعيم… اي نعيماً يا نعيم… غداً او بعد الغد.. او بعد بعد الغد… وخصوصا عندما يخلصوا… ويخلصوا… يصرفونك متل ما صرفوا غيرك… نعيماً سلفا يا نعيم!
يحذّر كارل يونغ في كتاب “الذات الغير مكتشفة” من ازمة الفرد في المجتمع الحديث من هيمنة الأنظمة الجماهيرية والأيديولوجيات الشمولية التي تهدد استقلالية الفرد، مؤكدًا أن الخلاص يكمن في رحلة وعي ذاتي عميقة تدمج بين الوعي واللاوعي. يرى أن الأحلام والرموز والدين الحقيقي أدوات أساسية لفهم النفس وتحقيق التكامل النفسي، بما يحمي الإنسان من الاغتراب في العصر الحديث وخصوصا أمام الانظمة والايديولوجيات الشمولية المهترئة.
تحليل كيف تحوّل الأنظمة الجماهيرية الانظمة والإيديولوجيات الشمولية مما يؤدي إلى تآكل الهوية الشخصية وفقدان الذات. أزمة العصر الحديث تحتاح الى تشخيص أزمة القرن العشرين الروحية، حيث أدى الإفراط في الدين السياسي إلى تهميش البعد الروحي والنفسي، وتعميق حالة الاغتراب الإنساني.
يرى يونغ خطر الأيديولوجيات الجماعية تحذير من الأنظمة الشمولية التي تسحق الفردية وتمنع نمو الشخصية، مع التأكيد أن السلام الداخلي والخارجي يبدأ بوعي الفرد بذاته وليس بعقل غيره وذات غيره وخصوصاً الأحزاب الشمولية التوليتارية. يرى يونغ أن الفرد الواعي بذاته هو خط الدفاع الأول ضد الاستلاب في العصر الحديث، وأن السلام يبدأ من الداخل قبل أن يتحقق في المجتمع.
ما تبقى من حزب الله “الأنموذج” في منظومة حكم ولاية الفقيه ومداها التنظيمي والإجرائي لا يريد لبنان الكيان السيد والمستقل عن النفوذ الإيراني. بل يريده على صورته ومثاله جزءاً لا يتجزاء، أو جزءاً عضوياً من “أرخبيل” الوصاية الإلهية لآيات الله “قتلة” النبي زرادشت.. يريده خارج انتمائه وهويته العروبية وخنجر مسموم في ظهر أمة الضاد، يريده جسد “مصلوب” على ورقة “الكلوروفيل” الخضراء.. يريده “ملحق” جيوسياسي في النفوذ الأخطبوطي والسرطاني “الإمبراطوري” الفارسي.. يريده في “فخ” ولاية الفقيه وتقاطعاتها العبثية. يريده “منصة” سوداء أخرى في أنتظار “عودة” المهدي المنتظر، أو في أنتظار عودة غودو.. يريده وجبة “ساخنة” على موائد اللئام، أو مجرد نقطة من “دم” على ورق التسويات.
التسويات القادمة من المفاوضات على ملف ايران النووي والتي اصبحت على الباب،والتي يتحضر “الولي الفقيه” الى اغتنام هذه الفرصة لتقديم اهم او اهم ما تبقى لديه: لبنان المختطف والحزب الخاطف، لبنان كبش الفداء كما ذكرنا،والحزب بعد ذلك فوق البيعة اذا اقتضى أمر تسويات شراء ايران لرأس نظامها وملفه النووي ضمان بقائها الوحيد في معتقداتها التوليتارية “المقدسة”، حتى لو ذبحوا عشرة او عشرين بلد مثل لبنان او على عدد طوائفه… ومئة مثل ما تبقى من حزب “الله” على البيعة، والف مثل الشيخ نعيم فوق البيعة… نعيماً يا نعيم!!!
نعم، هذا هو حالنا في البلد المخطوف في عصر الاحزاب العسكرية الجدمورية المستبدة في عصر السلاح “المقدس”، والوظائف الجهادية القادمة من “الغيب المقدس”، عصر التخلف في زمن الفيزياء التصاعدية والوعي الاصطناعي، عصر محاربة الكلمة الحرة والقراءة والمعرفة والتطور والتعبير. يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير”كلما ازداد الإنسان قراءة، قلّ إيمانه بالخرافات،فالكتاب هو السلاح الوحيد ضد عبودية العقل.” في زمنٍ تتكاثر فيه الخرافات وتتبدّل أسماؤها من جهل إلى “إرث”، ومن وهم إلى “مقدّس”، تبقى القراءة فعل مقاومة الجهل والتجهيل. فحين يفتح الإنسان كتابًا ويتعلم ما يدور حوله، فهو لا يقرأ كلماتٍ وحسب، بل يفتح نافذة على العقل، ويعلن تمرّده على القيود التي فُرضت عليه باسم الدين أو العرف أو السلطة. فولتير، الفيلسوف الذي تحدّى الكهنة والطغاة، لم يكن يبغض الدين، بل كان يخشى ما يُرتكب بأسمه من تجهيلٍ وتضليل. حين تحدّث عن الكتاب كسلاح، لم يكن يبالغ؛ إذ أن العقل الذي يتسلّح بالمعرفة لا يُستَعبد، ولا يُقاد بالعصا أو الأسطورة.
لكن، هل حقًا تكفي القراءة وحدها؟ أم أن الأمر يتطلب شجاعة في المواجهة وجرأة في التشكيك؟ في عالمٍ امتلأ بصنّاع الخرافة ومروّجي الجهل، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا تُحارب المعرفة دائمًا؟ ولمصلحة من يُحرَق الكتاب أو يُمنَع؟ ربما لأن العقول المستيقظة خطرٌ على من لا يعيش إلا في ظلامها كما هي حال البعض في بلادنا الواقفة على حافة الهاوية.
