شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

خالد خشفة
محلل وباحث سياسي

لن تكون زيارة الموفد الأميريكي توماس براك برفقة السفيرة السابقة مورغان أورتاغوس إلى بيروت حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل محطة مفصلية تكشف حجم الأزمة اللبنانية وتعري الإنقسامات الداخلية فالوفد الأميريكي لم يأتِ حاملاً وعوداً فضفاضة بل طرحاً صريحاً.

حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفق معادلة خطوة مقابل خطوة أي سلاح مقابل انسحاب إسرائيلي وضمانات دولية.

رئاسة الجمهورية عروض بقدر ما هي هواجس :
المحاولة في تقديم عرض لبراك يوازن بين الضغوط الأميركية والهواجس اللبنانية
المطالبة بضمان الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة وضمان أمن الحدود الشمالية مع سورية إدراكاً بأن انسحاباً كاملاً يبدو متعذراً، إلا أن هذا الطرح بدا أقرب إلى مساومة شكلية منه إلى رؤية استراتيجية خصوصاً أن الرئاسة تدرك أن أي تنازل مجاني سيجعلها في مواجهة الداخل بينما التشدد المطلق قد يضع لبنان في قلب المواجهة مع واشنطن.

رئاسة الحكومة إصلاح تحت سقف التوازنات
نواف سلام حاول التقاط الزيارة كفرصة لتثبيت صورته كرجل دولة القانون رابطاً أي تسوية ببرنامج إصلاحي شامل يتضمن دعماً اقتصادياً وضمانات أمنية للبنان، لكنه في الوقت ذاته يبدو أنه محاصراً بين ضغوط الخارج ورفض حزب الله المطلق ما يجعله أسير توازنات داخلية تمنعه من الذهاب بعيداً في المواجهة.

الرئيس بري يتمسَّك بمعادلته القديمة الأرض مقابل السلاح أي لا بحث في ملف حزب الله قبل الإنسحاب الإسرائيلي من المواقع المحتلة إلا أن هذه المعادلة تبدو عاجزة اليوم بعدما تحولت قضية السلاح من ورقة تفاوضية إلى أزمة سيادة تعطل الدولة من الداخل وتعرقل أي إصلاح.

حزب الله يبدى موقفاً صلباً رافضاً أي نقاش تحت الضغط معتبراً أن سلاحه شأن إقليمي قبل أن يكون لبنانياً وأن المعادلة الأميركية تهدف أساساً لخدمة إسرائيل، لكن المفارقة أن الحزب يستخدم هذه الورقة نفسها لفرض واقع داخلي خانق يحد من قدرة الدولة على بسط سلطتها والأخطر أن الخطاب الأخير لنائب الأمين العام نعيم قاسم استحضر نبرة 7 أيار 2008 ما يثير مخاوف من إعادة إنتاج مناخات الانقسام الأهلي.

الجيش اللبناني عبر قائده العماد رودولف هيكل بين السياسة وتفادي الصدام بعث برسائل واضحة لن يدخل في مواجهة مع أي فريق داخلي، لكنه في الوقت ذاته ملتزم بتنفيذ القرارات السياسية وهو موقف يعكس إدراكاً لمحدودية القدرة العسكرية على حل معضلة سياسية بامتياز، فالجيش يريد معالجة ملف السلاح بالسياسة لا بالأمن لتجنب تكرار سيناريوهات الفوضى

أما القوى المسيحية
القوات والكتائب يُشدِّدان على أن لا إصلاح بلا إنهاء الازدواجية العسكرية بينما التيار الوطني الحر بدا متردداً يحاول أن يمسك العصا من الوسط حفاظاً على رصيده المسيحي.

أما القوى السنية خصوصاً في طرابلس وصيدا ترى في الورقة الأميركية فرصة لإعادة التوازن المفقود بعد سنوات من هيمنة الحزب.

تكشف هذه الزيارة أن لبنان ما زال يراوح مكانه
رئاسة الجمهورية تقدم عروضاً بلا قدرة تنفيذية.
الحكومة تبحث عن إصلاح مقيد بالسقف الحزبي
المجلس النيابي متمسك بمعادلات قديمة فقدت فعاليتها
والحزب يقفل أي أفق سياسي متمترساً خلف سلاحه.

يظهر الإنقسام اللبناني
هناك طرف يرى في الورقة الأميركية فرصة تاريخية لاستعادة الدولة سيادتها،وطرف آخر يعتبرها فخاً أميركياً يهدد الأمن الداخلي،
بين هذين الموقفين يبقى مصير الأزمة اللبنانية مرهوناً بقدرة الداخل على صياغة تسوية واقعية حصر تدريجي للسلاح مقابل انسحاب إسرائيلي وضمانات دولية.

إذا لم يحدث توافق داخلي عريض فإن زيارة براك وأورتاغوس ستبقى مجرَّد مرآة تعكس شلل الدولة أكثر مما تعكس إمكانية الوصول إلى تسوية.

إذا لم يتوافر قرار لبناني جامع بفتح نقاش جدي حول مستقبل السلاح والدولة، فإن كل العروض الرئاسية أو الطروحات الإصلاحية ستبقى مجرد محاولات لتأجيل الانفجار، لأن الدولة لا تزال عاجزة عن التقاط اللحظة التاريخية وتصر على إدارة أزماتها بالإنكار والتوازنات الهشة بدل مواجهة الحقيقة :
لا دولة بلا سلاح موحد ولا إصلاح بلا سيادة كاملة .

شاركها.