
ريحانة نجم
في خطوة غير مألوفة في المشهد اللبناني المُتشابك، أقدمت الحكومة اللبنانية على اتخاذ قرار واضح وصريح يقضي بحصر السلاح بيد الدولة، في مسار يُنظر إليه باعتباره تحوّلاً جذرياً في مقاربة واحد من أعقد الملفات التي أثقلت كاهل البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية. هذا القرار، الذي لطالما كان مطلباً داخلياً وخارجياً، يحمل في جوهره محاولة لإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية، وترسيخ سلطة المؤسسات، وضبط التوازنات الأمنية التي لطالما كانت تميل لصالح قوى الأمر الواقع.
قرار على فوهة بركان
الردُّ من جانب حزب الله جاء سريعاً وحاداً. ففي خطاب لا يخلو من الرمزية التصعيدية، لوّح كلّ من الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم ورئيس كتلة الحزب النيابية محمد رعد بـ”معركة كربلائية” في حال المساس بسلاح الحزب.
استدعاء واقعة كربلاء التي تعود إلى عام 680 ميلادية وشهدت مواجهة دموية انتهت باستشهاد الإمام الحسين لا يحمل فقط دلالة دينية أو تاريخية، بل يوظَّف في السياق السياسي اللبناني إشارةً إلى أنّ سلاح الحزب مسألة “وجودية” تمسّ جوهر هُويّته ومبرّر وجوده.
ورغم أنّ هذا الخطاب يستند إلى خلفية وجدانية لدى جمهور الحزب، إلا أنّ إسقاطه على المشهد اللبناني الحالي يُترجم سياسياً إنذاراً صريحاً؛ أي محاولة لنزع السلاح ستُواجَه باعتبارها “معركة حياة أو موت”. وهذا ما دفع كثيرين لاعتبار أنّ الحزب يضع الدولة أمام معادلة صارمة: إمّا القبول بالسلاح خارج الشرعية أو الدخول في دوامة الفوضى.
ولم يكتفِ الحزب بالرمزية الكربلائية، بل حمّل الدولة اللبنانية علناً مسؤولية أيّ انفجار داخلي قد ينجم عن هذا القرار، وهو ما فُسّر على نطاق واسع بأنه تحذير مباشر وربّما تهديد مبطّن بإمكانية اللجوء إلى الشارع، أو حتى القوّة المسلّحة، في حال حاولت الحكومة تطبيق القرار على الأرض.
البعد التاريخي والذاكرة اللبنانية
لا شك أنّ تاريخ لبنان حافل بمحطات مشابهة، حيث قادت محاولات ضبط السلاح أو تقليص نفوذ المجموعات المسلحة إلى أزمات كبرى.
فحادثة 7 أيار/ مايو 2008 لا تزال ماثلة في الذاكرة، حين تحوّل خلاف سياسي حول شبكة اتصالات الحزب إلى اشتباكات مسلّحة في بيروت والجبل، انتهت بتكريس واقع أنّ السلاح أقوى من القرار السياسي. واليوم، يخشى اللبنانيون تكرار السيناريو نفسه، مع فارق أنّ الظروف الاقتصادية والمعيشية أسوأ بكثير.
ولا شك أنّ تداعيات القرار تتجاوز البعد الأمني، إذ تمسّ جوهر التوازنات السياسية والطائفية في البلاد.
فهناك فريق يرى في سلاح الحزب “درعاً” يحمي لبنان من إسرائيل ويشكّل رادعاً لأيّ عدوان، فيما يعتبره آخرون عقبة أمام بناء دولة القانون وسبباً لعزل لبنان عربياً ودولياً.
وبالرغم من أنّ القرار يختبر قدرة الحكومة على توحيد الموقف الداخلي، إلا أنه يهدّد أيضاً بإعادة رسم خطوط التماس السياسية وربّما الأمنية بين مؤيدين ومعارضين.
وبكلِّ تأكيد، لا يمكن فصل هذا القرار عن المناخ الإقليمي. فزيارة المستشار الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت، ولقاءاته مع المسؤولين، فُسّرت على نطاق واسع بأنّها محاولة للتأثير في مسار القرار، وطرح بدائل تقوم على دمج السلاح بالمؤسّسة العسكرية ضمن تسوية شاملة، مقابل ضمانات سياسية للحزب. في المقابل، هناك ضغط أميركي – أوروبي على الحكومة اللبنانية للمضي في القرار، مع تلويح بأنّ أيّ مساعدات مالية أو دعم اقتصادي ستكون مشروطة بإصلاحات حقيقية، وعلى رأسها ضبط السلاح.
السيناريوهات المحتملة
لا شك أنّ تطبيق القرار أو عدمه يضع البلاد أمام عدّة سيناريوهات محتملة:
(1): التسوية التدريجية: وهي تقوم على انخراط الأطراف في حوار داخلي برعاية إقليمية ودولية، يؤدي إلى دمج السلاح في الجيش على مراحل، مقابل ضمانات سياسية وأمنية للحزب.
(2): المواجهة المفتوحة: إذا قرّرت الدولة تطبيق القرار من دون تفاهمات، فقد يلجأ الحزب إلى الشارع أو التصعيد الميداني، ما يعيد البلاد إلى أجواء الاشتباكات وربّما إلى حرب أهلية مصغرة، وهو ما لوّح به الحزب أكثر من مرّة سواء بحديثه عن معركة كربلائية أو فوضى في الشارع عبر المُسيرات والتظاهرات الرافضة تسليمَ السلاح، وصولاً إلى الضخ الإعلامي والحديث عن حرب أهلية وانقسام داخل الجيش وهو ليس إلاً حرباً نفسية على اللبنانيين.
(3): المراوحة: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، حيث يبقى القرار حبراً على ورق، بانتظار تبدّلات إقليمية أو داخلية تتيح حلاً نهائياً.
يبقى قرار حصر السلاح بيد الدولة خطوة جريئة على الورق، لكنها في الميدان تواجه منظومة مُتشابكة من الولاءات والتحالفات والرهانات الإقليمية. وإذا كان اللبنانيون يطمحون إلى قيام دولة قوية، فإنّ هذا الطموح يصطدم بواقع سياسي وأمني يجعل تطبيق القرار مغامرة محفوفة بالمخاطر.
الأشهر المقبلة ستكشف إن كان لبنان سائراً نحو ترسيخ دولة القانون، أم أنه سيظل رهينة معادلة السلاح التي تتحكّم بمصيره منذ عقود.
المصدر: العربي
