أحمد الأيوبي
رئيس المؤسسة اللبنانية للإعلام والتنمية
نُشر المقال بالتزامن مع موقع “الأنباء”
كأنّ وليد جنبلاط إستشرف منذ اللحظات الأولى لإسقاط بشار الأسد مدى خطورة ملف السويداء وأهمية التحرّك السريع والدقيق لاستباق أيّ مخطَّط يريد تحويل الأوضاع المناطقية إلى ألغام قابلة للتفجير مع تربّص أعداء سوريا الجديدة بها.
واجه وليد جنبلاط إجرام نظام آل الأسد مع اغتيال كمال جنبلاط وتقلّبت به الأيام حتى شاهد السوريين يُسقطون بشار الذي وصف طاغية الشام ذات 14 آذار بأنّه قرد لم تعرف لم تعرفه الطبيعة.. ومنتج إسرائيليّ على أشلاء الجنوب ومجرم وسفاح سوريا ولبنان، وفي خضمّ تلك التحولات انحنى جنبلاط وخذل رفاق النضال، لكنّه كان دائماً يعود إلى دائرة السيادة والعروبة، وها هو اليوم في صلب المواجهة مع المشروع الصهيوني في أخطر مراحله بعد أن كشفت أدواته عن نفسها في لبنان وسوريا.
بالأمس، وبعد اتخاذ القرار بإفشال كلّ مساعي التفاهم بين الإدارة والسورية والفصائل المسيطرة في السويداء، صدر القرار الإسرائيلي بإفشال هذه المساعي، فنزل الرعاع إلى ساحة الكرامة التي هدروها، وأعلنوا جهاراً أنّهم يريدون الانضمام إلى الكيان الإسرائيلي وأطلقوا هتفافات التخوين بحقّ وليد جنبلاط لأنّه يدعو إلى الحفاظ على وحدة سوريا وعروبتها.
كأنّ وليد جنبلاط إستشرف منذ اللحظات الأولى لإسقاط بشار الأسد مدى خطورة ملف السويداء وأهمية التحرّك السريع والدقيق لاستباق أيّ مخطَّط يريد تحويل الأوضاع المناطقية إلى ألغام قابلة للتفجير مع تربّص أعداء سوريا الجديدة بها.
يرفض وليد جنبلاط الانصياع لحملات التحرض الطائفية التي ركب موجتها خصومه، وخاصة وئام وهاب الذي لا يمكن أن يكون له مكان في مواقع الكبار لدى الموحدين الدروز، وهو قام بجولاتٍ ولقاءات مع المشايخ والفعاليات لتثبيت الموقف الوطني والعروبي الذي يحفظ لهذه الطائفة تاريخها وحاضرها ومستقبلها.
لم يقبل وليد جنبلاط أن تصبح العمالة لإسرائيل حالةً طبيعية ولم يرتضِ للموحدين الدروز أن يكونوا أداة تقسم لسوريا وأداة فتنة في لبنان، وهو بذل جهوداً جبارة لإطفاء تحريض الفريق الإسرائيلي الذي يسعى إلى تنفيذ خطة تل أبيب بإنشاء “الدولة الدرزية” من السويداء حتى راشيا، لتحظى إسرائيل بحزامٍ عازل في إطار الترتيبات التي يريد رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو فرضها على المنطقة.


اليوم، يقف وليد جنبلاط على مفترق طرق وطني وإقليمي ودولي.. ثابتاً على موقفه الوطني وهو بتواصله مع القيادات السنية والمسيحية على المستوى الديني والسياسي، يرسِّخ الهدوء ويحمي الداخل من عواصف تضرب المنطقة وتهدّد لبنان..
لسنا في أفضل أحوالنا. والمستقبل يزدحم بالهواجس والمخاوف والأسئلة المعقّدة، وهو ما يدركه الجميع، لكنّ الاستسلام يعني الفناء، ولا أحد يرضى بأن يفنى مستسلماً، بل إنّ وليد جنبلاط يضيء الشمعة في قلب كلّ هذا السواد ليعود إلى خيمة الوطن محذِّراً من تمزيقها حتى لا يصبح الجميع في العراء..
هذا هو وليد جنبلاط.. الثابت في وجه رياح التقسيم القابض على جمر الوحدة.. طَودٌ راسخ يأبى الانغلاق ويكمل مسيرة انتماء الموحدين الدروز إلى عمقهم العربي التاريخي، غير عابئ بالطارئين الذين سيرميهم التاريخ على قارعة النسيان.
