شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 


نبيل شحادة

زيارة رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني الى بيروت التي وصفها محللون أنها محاولة أخيرة للتأثير على القرار اللبناني بنزع سلاح كل الميليشيات على الاراضي اللبنانية وفي مقدمتها حزب الله، واظهار نوع من الدعم له، وكذلك ابراز تمسك ايران بسياستها ونفوذها في المنطقة، باءت بالفشل، ونجحت الدولة اللبنانية في امتحانها، واستدرجت لاريجاني الى قصر بعبدا، ثم السراي الكبير لتسمعه وجها لوجه ما لا يقبل التأويل ولا تنفع معه التسريبات والتحليلات العابرة عن قرار حازم بحصر كل السلاح بالدولة، وانهاء ظاهرة التسيّب والفلتان، وفرض سيادة وهيبة الدولة دون شريك.

كشفت الزيارة مجموعة من النقاط ساهمت في اظهار صورة إيران الهزيلة على الساحة اللبنانية بعد الخسائر الكبيرة التي مُنيَ بها حزب الله في الحرب الأخيرة مع العدو الاسرائيلي، وبلغ الأمر حدّاً أن وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي أبدى اعتراضه على الزيارة، وكان يفضّل ألا يُسمح للاريجاني بالقدوم الى بيروت، ولكن الرئيسان عون وسلام كان لهما وجهة نظر واحدة، بأن على ايران أن تسمع بوضوح قرار انهاء هيمنتها على لبنان.

نبدأ من مطار رفيق الحريري الدولي حيث وصل لاريجاني وهو الشخصية الايرانية المرموقة، ويتبوأ منصب رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهو مَنْ يملك خبرةً طويلة في التعامل مع القضايا الاقليمية والدولية، فلم يحظ بأي استقبال رسمي كما هي العادة في البروتوكولات المعتمدة.

حاول حزب الله التعويض عن الاساءة الى صورة ومقام لاريجاني، فأمر مؤيديه بالتجمع على طريق المطار لاستقباله وتحيّته بأعلام الحزب وايران مختبئاً خلف عبارة “استقبال عفوي وشعبي” كما قالت قناة المنار، ولكن النتيجة جاءت معاكسة، ففضحت الصور المنشورة في وسائل الاعلام المستور، وأظهرت أن الحضور كان هزيلاً وقليلاً جداً ولم يتجاوز اعداده عشرات الشبّان، ويتناقض كلياً مع ما دأب الحزب على العمل عليه لإظهار قوته وهيمنته على غالبية شيعة لبنان وخياراتهم من خلال حشد أنصاره ومؤيديه بأعداد كبيرة في كل مناسبة.

لقاءات لاريجاني مع الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام لم تكن بالمعنى السياسي ناجحة لايران، وقد سمع منهما بوضوح وحزم ما لم يعجبه ولا يرضي القيادة الايرانية، حيث كانت الرسالة اللبنانية متألقة وهي رفض المواقف الايرانية الأخيرة حول نزع سلاح حزب الله، التي تتعارض وسيادة لبنان، وسمع أيضاً أن قرارات الحكومة اللبنانية لا يُسمح أن تكون موضع نقاش في أي دولة أخرى، وأنّ اللبنانيين لا يقبلون وصايةً أو إملاء من أية جهة.

حاول لاريجاني الايحاء بدور ونفوذ ما في لبنان، ولكن في ظل ما تعانيه من أزمات استراتيجية خانقة، وحصار أميركي يشتد ويقوى، وفشلها في العودة الى لعبة المفاوضات مع الغرب بشأن مشروعها النووي، ظهر أن أذرعها في المنطقة تترنّح وتتهاوى، ودرّة تاجها التوسعي، حزب الله في لبنان، فقدَ كل مقومات القوة والقيادة والسيطرة، وأصبح مُطالبا بالعمل تحت سقف الدستور والقانون مثل أي حزب آخر -ان استطاع-، وسيُجرد من سلاحه كاملاً في كل الاراضي اللبنانية دون تصنيفات جنوب وشمال الليطاني وفوق وتحت.

ادعاء لاريجاني بدعم ايراني للبنان، و”إذا عانى الشعب اللبناني يوما، سنشعر نحن أيضا بهذا الألم، وسنقف معه في كل الأوقات” كان باهتاً، وكلاماً سياسياً فارغاً، ولم ينطل على أحد حتى من بيئة الحزب، إذ ثبت أن ايران تخلّت عن الحزبِ في الحرب الأخيرة، وقصّرت في الدعم المالي المطلوب، ومنعته من استخدام اسلحة مؤثرة وفاعلة، بل كان ردّها على اغتيال حسن نصر الله عادياً ولا يرقى الى قيمة الدور الذي لعبه هذا الشخص في خدمتها لأكثر من ثلاثة عقود، حتى وصف ذلك المحلل السياسي رفيق نصر الله بقوله:” ان ايران تعاملت مع اغتيال نصر الله وكأنه ناطور بناية”.

أدرك لاريجاني بنفسه، أن الأوضاع في لبنان قد تبدّلت وتغيّرت، ولم يعد لبنان ساحة مفتوحة للخيارات الايرانية، ومواجهاتها مع العالم، فلجأ الى اللعب على الكلمات، فتحدث عن احترام سيادة لبنان، ودسّ فيها وبلطف شيئا من تمسّك ايران بسلاح حزب الله تحت شعار المقاومة، فقال:” الشعب اللبناني أبيٌّ وشُجاع ويستطيعُ أن يأخذ القرارات بنفسه، والمقاومة هي رأسمال اللبنانيين، وأن إيران لا تحمل أية خطة مفروضة على لبنان”.

حزب الله بدوره، عمل على الاستفادة من زيارة لاريجاني “الهشّة”، وأنها أتت في إطار دعم كامل له ولبقاء سلاحه، وانشغلت وسائل اعلامه بالتطبيل للزيارة، وروّجت صحيفة “الاخبار” أن الرياض وواشنطن استنفرتا وعملتا على جمع أكبر قدر من المعلومات عن فحوى ونتائج الزيارة. النائب علي المقداد قويَ عصبُهُ وقال أن “سلاح حزب الله​ باق وهو شأن داخلي لبناني” وربطه بمجموعة عوامل قبل وضعه في اطار استراتيجية دفاعية يريد منها أن تخدم الحزب وهيمنته، لا الدولة اللبنانية وسيادتها، ومنها خروج الاحتلال الاسرائيلي من النقاط الخمس، وتوقف الاعتداءات وعودة الأسرى وبدء أو ربما الانتهاء من الإعمار.

التقييم الأخير للزيارة أوضح أنها كانت ناجحة ظاهرياً قدّمت خدمةً بسيطة لأوهام ايران التوسعية وحفظاً لماء وجهها بعد النكسات الأخيرة في لبنان وسوريا وداخل ايران نفسها، وشكّلت مادة دسمة لتعبئة فراغات مئات وسائل الاعلام التي تنفق عليها ملايين الدولارات شهرياً. أما حقيقة الزيارة، فكانت كارثة سياسية سيسجلّها التاريخ، حيث سمع المسؤول الايراني وبأذنيه وبنبرة عالية، خطاباً لبنانياً مختلفاً؛ خطاباً يعبّرُ عن اصرار لا رجعة عنه في حصر السلاح غير الشرعي وتحت أي مسمّى، واستعادة السيادة والهيبة ووحدة القرار الوطني في اطار الدولة اللبنانية دون شراكة أو املاءات من أحد، وهو ما يمكن تسميته بقرار انهاء الهيمنة الايرانية على لبنان إلى الأبد.

شاركها.